السجال الذي نشأ بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله "، وأساسه كلام الرئيس جوزف عون في الذكرى الأولى لدخوله قصر بعبدا، ما زال يتفاعل.
وكتب ابراهيم بيرم في "النهار": أطل القيادي والسياسي المخضرم في الحزب الوزير والنائب السابق محمد فنيش ليدلي برد ديبلوماسي على مواقف الرئاسة الأولى، فقدم مجدداً عرضاً مكثفاً للأسباب التي أفضت إلى ظهور
المقاومة وسلاحها في الميدان، وفي مقدمها عجز الدولة عن تأدية المطلوب منها قبل عام 1978 وبعده، ليخلص إلى عرض أسباب "تخفيفية" لما قاله الرئيس في حق الحزب.
كان مقرراً لدى الحزب أن يكون هذا الرد على عون الأول والأخير، ولكن تبين لاحقا أن هذا الرد الديبلوماسي لم يكن كافيا عند قيادته وبيئته على حد سواء، خصوصا أن كليهما وجدا أن كلام الرئيس ينطوي على "أبعاد عميقة" لا يمكن التغاضي عنها، فضلا عن أن قوى معادية للحزب بنت على مضامين الكلام الرئاسي لتصعّد هجومها على الحزب. وعليه، أتى الأمر برد أبلغ وأكثر ضراوة، إذ خرج
نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب الوزير السابق محمود قماطي ليؤدي هذه المهمة العاجلة، بغية تحقيق أمرين:
الأول: استيعاب نقمة بيئة الحزب التي لم تستسغ الكلام الرئاسي.
الثاني: وجد الحزب نفسه أمام ضرورة توجيه رسالة فحواها أنه ليس في وارد التهاون والتراجع لكي يسكت عن هذا الكلام ويثبت صحة ما أطلقه سابقا عندما تعهد بأن شمال الليطاني غير جنوبه، وأنه لا يجوز تسليم السلاح في البقعة الثانية قبل الحصول على ضمانات وانسحاب إسرائيلي.
وبناء عليه كانت لهجة قماطي مغايرة لديبلوماسية فنيش، إذ اتسمت بالحدة والحزم، واستطرادا إبداء الاستعداد للذهاب إلى "مربع المواجهة" إن اقتضى الأمر، وهو مسار مستجد يغاير مسارا آخر سلكه الحزب طوال المرحلة الماضية عندما حرّم أي تصادم مع الجيش.
وهكذا بدا الحزب بلسان قماطي كأنه يوجه رسالة حادة إلى الرئاسة الأولى، وكان من البديهي أن يسارع خصوم الحزب إلى تلقف تحذيرات قماطي من "الفوضى والحرب الأهلية" ويطلقوا حملة مضادة.
في كل الأحوال، تؤكد المصادر عينها أن الحزب ليس في وارد إعلان القطيعة مع الرئاسة الأولى ولا في صدد حرق المراكب، بل في وارد وضع الأمور في نصابها الطبيعي وتذكير الرئيس بتعهده الوارد في خطاب القسم ب"استراتيجية الأمن الوطني"، وأنه ما زال متمسكا بها.
وكتب محمد شقير في "الشرق الاوسط": سأل مصدر وزاري فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ"
الشرق الأوسط"، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي
نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول
القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟
ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع
إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض
رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.
وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال
الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.
وقال إن أمين عام "حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على
لبنان للتسليم بشروطها؟
ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ"ميكانيزم"؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.