يسود الوضع اللبناني حال من الترقُّب لمعرفة حقيقة ما تحضّر له اسرائيل، وسط تأخير اجتماع «الميكانيزم» الذي كان مقرَّراً بين السبت أو الأحد، وسط خلاف ملموس يتزايد بين الفريقين
الاميركي والفرنسي حول إلزام اسرائيل بالانصياع لمستلزمات قرار وقف النار الذي التزم به
لبنان، ولم تلتزم به اسرائيل على الرغم من التوقيع عليه.
وبحسب مصادر معنية بالوضع الجنوبي، فإن الاتصالات تجري من أجل منع الانفجار على نطاق أوسع ممَّا يجري، بالاعتماد على «الميكانيزم» على النحو الذي هي عليه أو عبر الانتقال الى آلية مفاوضات دبلوماسية، لم يستقر الرأي حولها بعد.
وانشغلت الأوساط السياسية بردود الفعل على كلام امين عام
حزب الله الشيخ نعيم قاسم وبعض نواب الحزب حول مواقف رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، والتي ادت الى تراجع زخم التواصل بين الرئيس جوزاف عون والحزب.
مصادر وزارية مقربة من الرئاسة
اللبنانية عدّت كلام قاسم، في جزء منه، ردّاً على الرئيس عون، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القرارات اتُّخذت كي تنفَّذ، ولا شيء سيغيّر قناعات الرئيس».
أضافت أن «قاسم أراد أن يعترض ويصعّد أمام بيئته، وهذا كلّه يبقى في إطار الردود الكلامية»، مستبعدة أن «يعمد (حزب الله) إلى أي خطوات اعتراضية على الأرض»، ومؤكدة أن «مسار حصر السلاح يسير في طريقه الصحيحة».
ونقلت «اللواء» عن مصادر رسمية ان هناك تواصلاً غير مباشر حصل بين الطرفين عبر اصدقاء مشتركين، وسط توقعات بحصول تواصل غير مباشر الاسبوع المقبل في لقاء بين الحزب والاصدقاء العاملين على خط التواصل. وقال قيادي في «الثنائي الشيعي» أن حزب الله، عبر مواقف أمينه العام الشيخ قاسم السبت الماضي، أعلن نهاية مرحلة الصبر الاستراتيجي، وإعادة تثبيت حق الردّ في أي وقت، وبأي شكل تفرضه التطورات. لكن موقفه لا يصب في إعلان الحرب بل هو نوع من المواجهة مع الرئاستين الاولى والثالثة.
وحسب القيادي، فإنه بعد خطاب الشيخ قاسم، فإن الموقف بات مختلفاً عن مرحلة سابقة، وحسب القيادي المذكور فإن حزب الله لا يريد إسقاط الحكومة ولا يريد حرباً.
وقال مصدر رسمي لبناني لـ «الديار» أن «كلام الشيخ قاسم عالي السقف هو نتيجة مباشرة لارتياح الحزب لما آلت اليه الأمور في طهران، لكنه لا شك لا يوحي باحتمال التوصل إلى تفاهم سياسي واسع بخصوص مصير السلاح شمالي الليطاني، وهو ما يفترض أن يحصل قبل موعد جلسة
مجلس الوزراء مطلع شباط المقبل والتي سيعرض خلالها قائد الجيش خطته لاستكمال عملية حصر السلاح شمالي النهر».
واحتدم السجال السياسي في الداخل اللبناني، وبخاصة بين حزب الله و«القوات»، مع دعوة الشيخ قاسم الحكومة الى تغيير
وزير الخارجية او اسكاته او الزامه بالموقف اللبناني.
وأكد المصدر الرسمي اللبناني أن «الحكومة ستطلب من رجي مراعاة الوضع الحالي في المواقف التي يطلقها خشية تدهور الوضع داخليا، دون التوجه الى اسكاته او تغييره.
وكتبت" النهار": مع أن الصورة العامة للمشهد اللبناني مالت في الأسبوع الماضي، وسط انشداد الأنظار الدولية والإقليمية نحو إيران واحتمالات الضربة الأميركية لها المؤجلة أو بالأحرى "العالقة"، نحو ستاتيكو تبريدي ظاهراً لم يخرقه سوى موجات متقطعة من الغارات
الإسرائيلية "الكلاسيكية" على مناطق في الجنوب والبقاع الغربي والهرمل، فإن ظاهر المشهد لا يعكس باطنه ولا يبعث على الاطمئنان "الزائف". ذلك أن العامل الإيجابي الذي تمثّل في عودة إبراز تحرّك المجموعة الخماسية التي تضم سفراء
الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، والذي يجري رصد تأثيره الفعلي على إنجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني في الخامس من آذار المقبل في باريس، بدا وفق معطيات دقيقة توافرت لـ"النهار"، في خلفيته غير المعلنة بمثابة فرامل لاندفاعة تصعيدية تتربّص بلبنان، بين مطرقة
إسرائيل وسندان إيران المتمثل بـ"حزب الله".
وإذا كانت كل المؤشرات تجمّعت عند استبعاد ضربة إسرائيلية واسعة وذات طابع شمولي لـ"حزب الله" في مناطق انتشاره ومواقعه، أقلّه في الظرف الحالي، فإن المخاوف من تصعيد متدحرج عادت لتلوح في الأفق في ظل المدّ والجزر اللذين يظلّلان الوضع بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بما يوجب على السلطات في لبنان، وفق المعطيات نفسها عدم التراخي والتنبّه إلى محاذير حسابات ربح الوقت، في حين قد يتفلّت الوضع الميداني من آخر ضوابط الخطوط الحمراء في أي لحظة. وتذهب هذه المعطيات إلى التخوف من أن يكون "اتفاق وقف الأعمال العدائية" الذي عرف باتفاق 27 تشرين الثاني 2024 قد بلغ أخطر مراحل الموت السريري، بفعل الإمعان في انتهاكه من جانبي إسرائيل و"حزب الله" سواء بسواء، علماً أن الحزب برفضه المعاند لخطة حصر السلاح بيد الدولة في شمال الليطاني وإمعانه في تفسيره الجامح المجتزأ للاتفاق وحصره في جنوب الليطاني يزوّد إسرائيل الحجة الأكبر للإمعان في انتهاكه إلى حدود تلاشيه تماماً. وما أعاد الإضاءة على مصير الاتفاق راهناً هو الإرجاءات المتكررة لاجتماعات لجنة "الميكانيزم" بعد وقت قصير من تطعيمها بمدنيين بما يثير الالتباس حول الموقف الأميركي المتحكّم بهذه اللجنة، واقترن ذلك بالإيحاءات والمؤشرات المتبادلة ما بين إسرائيل و"حزب الله" للإطاحة واقعياً بمجمل حالة اتفاق وقف الأعمال العدائية.
وكتبت" الاخبار":خطاب الشيخ قاسم كان واضحاً في الردّ على رئيس الجمهورية حين أشار إلى «الأعقل والعاقل»، وحين شدّد على أن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان «هو مرحلة واحدة لا أجزاء لها ولا مرحلة ثانية»، وأن الدولة اللبنانية نفّذته بالكامل، بينما «الكيان
الإسرائيلي لم ينفّذ منه شيئاً، ولا علاقة لهذا الكيان بالقرار 1701، فهو شأن لبناني بحت»، وأن «حصرية السلاح واستراتيجية الأمن الوطني مرتبطتان بالاتفاق بين القوى السياسية اللبنانية داخل البلاد»، مؤكّداً أن «ليس من العقل أن نعطي إسرائيل، وأن نقدّم تنازلات بلا ثمن»، وأن «العقل هو أن نعرف كيف نحفظ بلدنا، ونحفظ قوتنا، ونتصرّف بطريقة تؤدي إلى أن نكون معاً، وأن نتعاون».
وكتبت" "نداء الوطن" أن كلام الشيخ قاسم لن يمر مرور الكرام في بعبدا، وهذا السقف غير الاعتيادي لن يثني الرئيس عون عن الاستمرار في الخط الذي رسمه في إطلالته الأخيرة والتي أكد عبرها انتفاء دور السلاح، وبالتالي لا تراجع من بعبدا مهما ارتفعت حدة التهديد، فالمطلوب عودة الدولة وبسط سلطتها وجمع السلاح.
وفي ظل المواقف التصعيدية، عمل عدد من الوسطاء في الساعات الماضية على خط بعبدا - حارة حريك لإعادة إطلاق الحوار غير المباشر بين عون و "حزب الله" وذلك من أجل تخفيف حدة التوتر.
إذًا، لماذا صعّد قاسم قبل يومين بهذا الشكل؟ تجيب أوساط سياسية بارزة أن هناك ثلاثة أسباب أساسية، تمثل خلفية مواقف قاسم:
الأول، ربط "حزب الله" وضعه بإيران، ولا يريد أن يتنازل عن سلاحه قبل أن تحسم إيران الموقف، كي يبقى ورقة بيد إيران التي خسرت ورقة الأسد و"حماس" ولا يريد أن يكون الورقة الثالثة التي تخسرها إيران من دون أي مقابل.
الثاني، كفريق مسلح يراهن "حزب الله" على الوقت فلعل الأمور تتبدل وتتغير، وتفسح المجال أمامه كي يحافظ على سلاح يشكل علة وجوده أداة تنفيذ لأيديولوجيته.
الثالث، أن "حزب الله" في نهاية المطاف لم يجد أحدًا من اللبنانيين يفاتحه، وتحديدًا رئيسي الجمهورية والحكومة ليسألاه: ماذا تريد مقابل هذا السلاح؟ لكن رئيس الجمهورية كان واضحًا عندما قال إن هذا السلاح انتهت وظيفته وإنه يجب أن ينفذ ما لم ينفذ من اتفاق الطائف. في المقابل، يقول "الحزب" في مكان ما، اعرضوا علينا شيئًا. ولذا رفع "حزب الله" سقفه. لكن ما لم يدركه، أن مواصلة رفع السقوف ستكون كلفتها غالية جدًا عليه لأن إسرائيل ستواصل استهدافاتها، ولن تتوقف قبل أن يتم نزع سلاح "حزب الله". كما أن أحدًا من اللبنانيين لا يريد أن يعطي "الحزب" صلاحيات مقابل سلاح دمر لبنان على مدى 35 عامًا .