تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

محال تواجه مصيرها في لبنان.. وأصحاب مشاريع يغزون الساحة بقوة

جاد حكيم - Jad Hakim

|
Lebanon 24
19-01-2026 | 04:00
A-
A+
Doc-P-1470482-639044115225954402.jpg
Doc-P-1470482-639044115225954402.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم تعد التجارة الإلكترونية في لبنان مجرّد "خيار إضافي"للمستهلك، فخلال سنوات قليلة، تحوّلت إلى ركنٍ موازٍ للسوق التقليدية، تتلخص بمشاريع اقتصادية بلا إيجارات ولا فواتير كهرباء ولا ديكورات إضافية، لكنها تملك ما يكفي لإرباك آلاف المحال التي بُنيت على قاعدة الزبون المارّ صدفةً أو "الوجه المعروف" في الحي. الفارق اليوم أنّ الزبون نفسه صار يمرّ على المتجر من هاتفه، ويُقارن الأسعار خلال ثوانٍ، ويختصر قرار الشراء بنقرة.
 
الأرقام تشرح لماذا تبدو المنافسة غير متكافئة. في نهاية 2025 كان في لبنان نحو 5.38 مليون مستخدم للإنترنت، أي ما يقارب 91.8 في المئة من السكان، مع 4.58 مليون "هوية" لمستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي بما يعادل 78.1 في المئة من السكان.  هذه الكثافة الرقمية تعني ببساطة أنّ العرض التجاري انتقل إلى المكان الذي يقيم فيه الجمهور يوميًا، على فيسبوك وإنستغرام وواتساب وتيك توك، بينما بقي جزء كبير من التجارة التقليدية عالقًا في منطق "المحل ينتظر الزبون التقليدي" الذي سرقه الانترنت. لكن التحوّل ليس تقنيًا فقط، بل من ناحية سلوكية أيضًا.
تقرير لإبسوس عن لبنان يشير إلى أنّ نحو "اثنين من كل خمسة" أشخاص هم متسوقون عبر الإنترنت، وأن الدافع الأبرز هو الراحة بنسبة 67 في المئة، ثم العروض والتخفيضات بنسبة 52 في المئة، فيما يرى "ثلاثة من كل خمسة" أنّ التسوق داخل المتاجر لا يمكن استبداله بالكامل. هذا التوازن مهم لأنه يثبت أن المتجر التقليدي لم يمت، لكنه فقد احتكاره للحركة.
 
لماذا يخسر المحل التقليدي المعركة
في الأزمة اللبنانية، الكلفة الثابتة قاتلة. الإيجار، الموظفون، المولد، التسعير المتبدّل، المخزون الذي "يتجمّد" ثم يشيخ على الرف. في المقابل، متجر الأونلاين يستطيع أن يعمل من غرفة صغيرة أو حتى من دون مخزون كبير، عبر البيع عند الطلب، أو عبر نظام "الطلب ثم التأمين". ومع توسّع ثقافة الدفع عند التسليم، صار الدخول إلى السوق أسهل. الضربة الأشدّ جاءت في الفئات التي تعتمد على مقارنة الأسعار بسرعة، مثل الألبسة والإكسسوارات والإلكترونيات، حيث لا يحتاج المستهلك إلى تجربة طويلة بقدر ما يحتاج إلى "سعر أفضل" وتوصيل أسرع. هنا يصبح المتجر التقليدي في موقع دفاعي ليس لأنه غير جيّد بالضرورة، بل لأنه يعمل بإيقاع أبطأ من إيقاع القرار الاستهلاكي الجديد.
 
حين يضعف الطلب، تصبح المنافسة أكثر قسوة، فعلى سبيل المثال، المبيعات بالتجزئة تراجعت علم 2024 بنسبة 18.83 في المئة، وبتراجع سنوي بنسبة 29.34 في المئة مقارنة بالربع الرابع من 2023. هذه الأرقام لا تقول إن سبب التراجع هو الأونلاين وحده، لكنها تقول إن السوق التقليدية تعمل أصلًا تحت ضغط ضعف الثقة والإنفاق، وكل ضغط جديد مثل انتقال المبيعات إلى الإنترنت يصبح مضاعفًا. في السياق، كثير من أصحاب المحال في لبنان من كبار السن، بنوا أعمالهم على خبرة شخصية وشبكة علاقات وسمعة طويلة. فجأة اصطدموا بواقع وجوب أن يصبحوا خبراء إعلانات ممولة، وتصوير منتجات، ومسؤولين عن رسائل فورية، وخوارزميات، وشحن، وخدمة ما بعد البيع. في المقابل ظهر جيل أصغر يعتبر إنشاء صفحة وبيع مهارة بديهية. ولأن لبنان يملك قاعدة واسعة على وسائل التواصل، صار "المنافس الجديد" لا يحتاج إلى محل في شارع رئيسي كي يُرى، يكفيه محتوى جيد وتخفيض ذكي وتوصيل منظّم.
 
التحوّل الأكبر أنّ الأونلاين يفرض شفافية قاسية على الأسعار. الزبون يرى عشرات البدائل في دقيقة واحدة، ويقرأ تجارب الآخرين، ويستخدم الرسائل للتفاوض، ويطلب صورًا إضافية، ثم يقرر. المتجر التقليدي كان يراهن على الموقع والوقت والتعب النفسية للتنقل بين المحال. هذه الكلفة اختفت. لذلك لا تكفي عبارة "لدينا نوعية أفضل" إن لم تُترجم إلى تجربة ملموسة أو ضمان أو خدمة أو قيمة مضافة.
 
في هذا السياق، وانطلاقا من حرب الصمود التي تحاول هذه المتاجر التقليدية أن تقودها بوجه المتاجر الرقمية وخدماتها السريعة المتنوعة، يقول السيد زاهر الياس، وهو صاحب محل ألبسة في بيروت، في أواخر الستينيات من عمره، إن حركة الزبائن تراجعت بشكل واضح، وإن أكثر ما يؤذيه هو أن الزبون يدخل ويصوّر القطعة ثم يخرج بحجة "سأسأل وأعود"، ولا يعود. يضيف خلال حديث عبر "لبنان24" أن فكرة إدارة صفحة وإعلانات مدفوعة "ليست عالمه"، وأنه لا يريد أن يتحول من تاجر إلى "مسوّق على الهاتف"، لأنه بكل بساطة "دقّة قديمة" حسب تعبيره، ولا يفقه من العالم الرقمي شيئا.
 
في الجهة الأخرى، تشرح سارة عبد الباقي، وهي طالبة جامعية، وصاحبة مشروع بيع إلكتروني لأدوات التجميل ولوازمها عبر "لبنان24" أنها بدأت من دون محل لأن الكلفة غير ممكنة، وأن الصفحة هي واجهتها، والإعلان الممول هو "بدل الإيجار". تقول إن قوتها في السرعة وفي القدرة على تغيير البضاعة بسرعة وفق الطلب، وإن الزبون يريد سعرًا واضحًا وتوصيلًا منظمًا قبل أي شيء، هذا بالاضافة إلى الاعتماد على خدمة "الديليفري" من دون أن تُتعب الزبون نفسيا بالتنقل من متجر إلى آخر، مستفيدة من التقييمات التي تأتي من زبائن جربوا البضاعة، وابدوا رأيهم بها.
 
ومن زاوية ثالثة، يشير متابعون إلى أن الحملات الموسمية صارت أصعب على المتاجر التقليدية، لأن المنافسة على الإعلان ارتفعت، ولأن المستهلك صار يشتري بقرارات قصيرة ومترددة، وهو ما ظهر في مواسم التخفيضات الأخيرة وفق قراءات السوق. هؤلاء يربطون المشهد بمعادلة بسيطة. حين يتراجع الاستهلاك العام، يصبح السوق ساحة اقتتال، ومن يملك كلفة تشغيل أقل ومرونة أعلى يربح حصة أكبر. وحين تكون قاعدة الإنترنت عالية كما هي في لبنان، فإن انتقال جزء من الطلب إلى الأونلاين يصبح طبيعيًا لا استثنائيًا.
 
هل انتهى زمن المحل؟
لا نستطيع القول أن زمن المحلات التقليدية انتهى، خاصة وأنها لا تزال بمئات الآلاف موجودة في الأسواق، على الرغم من أن معظمها وإن كان يمتلك وجودا ماديا في السوق، إلا أنه يعتمد على التسويق أونلاين. وحسب أرقام اطّلع عليها "لبنان24"، فإنّ ثلاثة من كل خمسة يقولون إن التسوق داخل المتجر لا يمكن استبداله.  وهذا معناه أن المتجر الذي يمنح تجربة أفضل، ومقاسًا وتجربة ولمسة ثقة، وخدمة ما بعد البيع، يمكنه أن يبقى، لكن بشرط ألا يبقى خارج الإنترنت.
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد حكيم - Jad Hakim