خلال الحرب الإسرائيلية، تحوّلت المقاطعة في لبنان من شعار يتردد على "السوشيال ميديا" إلى سلوك استهلاكي يومي. فجأة صار السؤال يتكرر عند كل نقاش عن براندات ومطاعم ومقاهٍ مرتبطة في ذهن الناس بإسرائيل أو بداعميها "ما البديل" ومع الوقت لم يعد الجواب مجرد أسماء محلية هنا وهناك، بل موجة كاملة أعادت ترتيب السوق، وفتحت الباب أمام مطاعم لبنانية لتدخل بقوة عبر خطوة عملية وواضحة من خلال تقديم تجربة شبيهة جداً بالتجربة العالمية التي قاطعها الناس.
المفارقة أن عدداً من المشاريع لم يراهن على ابتكار من الصفر، بل على ما يعرفه الزبون مسبقاً. قوائم طعام تشبه القوائم المعروفة، أصناف تحمل الفكرة نفسها، وطريقة تقديم قريبة من العادة التي اعتادها المستهلك لسنوات. الهدف كان بسيطاً ومباشراً لهذه المطاعم التي قرّرت قطف الفكرة واللحظة في آن معا، فالزبون يريد أن يلتزم بالمقاطعة من دون أن يشعر أنه خسر "مزاجه" أو روتينه. وهنا تحديداً صار "البديل" أقرب إلى نسخة محلية من تجربة جاهزة، بدل أن يكون تجربة مختلفة بالكامل تحتاج وقتاً لإقناع الناس.
"السوشيال ميديا" لعبت دوراً حاسماً في هذا التحوّل. لم تكن مجرد منصة دعوة للمقاطعة، بل تحولت إلى محرك تسويق وتوجيه. منشور واحد أو فيديو قصير قادر على دفع مئات الأشخاص لتجربة مكان جديد لأنه "يشبه" ما اعتادوه، ثم إعادة مشاركة التجربة وتوسيع الدائرة. هكذا صارت المقاطعة بوابة إعلان مجاني لعلامات محلية، خصوصاً عندما يرتبط اسم المكان مباشرة بفكرة "بديل لِـ" فيتعامل معه الجمهور كحل جاهز، لا كمجرد مطعم جديد يحتاج وقتاً لبناء الثقة.
في قطاع الوجبات السريعة، ظهرت مطاعم محلية قدّمت "أصنافاً بديلة" بشكل شبه حرفي، من الساندويشات إلى قطع الدجاج والحلويات التي تستحضر ذاكرتك فوراً. وفي قطاع القهوة، توسعت الفكرة أكثر لأن جمهور المقاهي كبير ومتنوّع، ولأن "التجربة" في القهوة لا تتعلق بالطعم فقط، بل بالأكواب والأسماء وحجم الطلبات والشكل العام. لذلك رأينا مقاهٍ محلية تستقطب الزبائن المُقاطعة عبر توفير الإحساس نفسه الذي اعتادوه، لكن باسم محلي وبسعر وخدمة تُسوّق على أنها أقرب للناس.
لكن هذه الظاهرة ليست "انتصاراً تجارياً" صافياً من دون أسئلة. هناك جانب عملي يطرح نفسه داخل لبنان: من يتضرر فعلاً عندما تُقاطع علامة موجودة عبر امتياز وتشغّل لبنانيين وتعتمد على موردين وخدمات محلية. في كثير من الحالات، العاملون لبنانيون، وسلسلة التوريد محلية، والخسارة قد تصيب جيوباً لبنانية قبل أي جهة خارجية. وفي المقابل، صعود البديل المحلي يعني أيضاً فرص عمل جديدة واستثمارات صغيرة تنتعش بسرعة، لكن بشرط أساسي: أن تكون الجودة حقيقية وليست مجرد موجة مؤقتة.
والأهم أن "المنيو المستنسخة" سلاح ذو حدين. هي تساعد على اختصار طريق الإقناع لأن الزبون يعرف مسبقاً ما الذي سيطلبه تقريباً، لكنها قد تتحول إلى قيد إذا بقيت الفكرة محصورة في التقليد ولم تتطور نحو هوية خاصة. السوق اللبناني سريع التبدّل، وما ينجح في لحظة قد يضعف عندما تهدأ الموجة، إلا إذا أثبت المكان أنه يستحق الاستمرار بجودة ثابتة وخدمة محترمة وأسعار منطقية.
بين المقاطعة والبديل، لبنان شهد نموذجاً واضحاً عن كيف تصنع السياسة مزاجاً استهلاكياً، وكيف يحوّل السوشيال هذا المزاج إلى "قوة شراء" تُغير الخريطة خلال أسابيع. بعض المطاعم دخلت من باب التشابه كي تربح السرعة، وبعضها قد يبقى لأنه عرف كيف يحول الفرصة إلى مشروع فعلي. وفي الحالتين، ما حصل لم يعد مجرد نقاش على المنصات، بل واقع في السوق عنوانه واحد: المقاطعة لم تُغلق باباً فقط، بل فتحت أبواباً لعلامات لبنانية كي تثبت نفسها على طاولة المنافسة.