في حال لم تنفجر المنطقة وتدخل في حرب طويلة الأمد، تبدو الأمور في
لبنان متجهة، ولو ببطء، نحو استحقاق لا مفر منه: الانتخابات النيابية. فالمؤشرات السياسية والأمنية توحي بأن هذا الاستحقاق سيُجرى إما في موعده الدستوري، أو بعد أسابيع قليلة في إطار ما يُسمّى “تأجيلاً تقنياً” لا يتعدّى حدود التنظيم والإجراءات، من دون المساس بجوهر العملية
الانتخابية.
رئيس مجلس النواب نبيه بري يصرّ علناً، وفي مجالسه الخاصة، على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها. هذا الإصرار لا ينطلق فقط من حرص دستوري، بل من حسابات سياسية دقيقة. مصادر مطلعة تشير إلى أن أحد أسباب هذا الموقف يعود إلى عدم رغبة "
الثنائي الشيعي" في فتح الباب امام مشاركة المغتربين، وحتى مسألة تصويتهم داخل الأراضي
اللبنانية أو توسيع آليات اقتراعهم. من وجهة نظر "الثنائي"، فإن أي انخراط واسع للمغتربين قد ينعكس سلباً على النتائج، لأسباب تتعلق بميولهم السياسية وتوزّعهم الطائفي، ما يجعل خيار الانتخابات السريعة أقل كلفة سياسياً.
لكن هذا السيناريو قد لا يكون قابلاً للتنفيذ بالكامل. فواقع التحضيرات اللوجستية، من تحديث لوائح الشطب إلى الجهوزية الإدارية والمالية، قد يفرض تأجيلاً تقنياً لعدة أسابيع، وربما أشهر محدودة.
المفارقة أن الواقع السياسي اللبناني يوحي بأن لا أحد يريد الانتخابات فعلياً. معظم القوى السياسية تخشى نتائج غير مضمونة. ومع ذلك، لا تجرؤ أي جهة على تحمّل كلفة إعلان التأجيل السياسي الصريح، لما يحمله من تبعات داخلية وخارجية، قد تصل إلى حد تحميل المسؤولية عن ضرب ما تبقّى من مؤسسات دستورية.
في المقابل، يبدو أن الرابح الأكبر من إجراء الانتخابات هو "
حزب الله". فخوض الاستحقاق يمنحه فرصة لتكريس شرعيته الشعبية عبر صناديق الاقتراع، وقد يتيح له تحسين كتلته النيابية أو على الأقل الحفاظ على توازن مريح داخل المجلس. هذا العامل وحده كفيل بدفع الأمور قدماً، حتى لو على مضض من بقية الأطراف.
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى، بل ما إذا كان أحد قادراً فعلاً على منعها. حتى الآن، كل المعطيات تشير إلى أن لبنان دخل عملياً في مرحلة العدّ العكسي للانتخابات، وأن الهروب منها بات أصعب من خوضها.