تتآكل المهل أمام الحكومة ربطًا باستحقاق الانتخابات النيابيّة في أيار المقبل، فلم يعد أمامها سوى أيام قليلة لتشكيل لجان القيد الابتدائيّة والاستئنافيّة قبل الأوّل من شباط، ثم إصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة قبل الخامس عشر منه. وفي ظلّ فشل وسائل الضغط لإدراج مشروع القانون المُحال من الحكومة على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي، بهدف إجراء تعديلات على بعض أحكام القانون الحالي، تصبح الحكومة ملزمة بالتقيّد بأحكام القانون النافذ، لجهة استحداث الدائرة 16 الخاصة بالمغتربين، والالتزام بالمهل القانونيّة.
ومع تضييق المهل، تحرّك رئيس الجمهورية جوزاف عون في محاولة استباقيّة لقطع الطريق على سيناريو التمديد المقنّع، بعدما تبيّن له أنّ خطاب رفض التأجيل في العلن لا يعكس حقيقة ما يدور في الكواليس السياسيّة، خصوصًا بعدما لمس أنّ قوى سياسية لا تمانع التمديد لسنة أو سنتين، خلافًا لما تجاهر به في العلن.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطّلعة لـ "
لبنان 24" أنّ لقاء الرئيس عون مع
رئيس مجلس النواب نبيه بري تطرّق إلى ملف الانتخابات النيابيّة، مشيرة إلى أنّ الرئيسين متّفقان على إجراء الانتخابات في موعدها، وكان حديث عن فتح الباب النيابي لإجراء تعديلات على القانون لا سيّما في ما يتعلّق بآلية اقتراع المغتربين. غير أنّ هذا المسار يحتاج إلى إنضاج مخرج سياسي بالتفاهم مع "القوات
اللبنانية" وباقي الكتل النيابية، لبلورة تسوية لا تبدو ناضجة بعد.
وأضافت المصادر أنّ هناك توجّها لعقد جلسة عامة فور الانتهاء من جلسات مناقشة مشروع الموازنة. لكن، وقبل انعقاد الهيئة العامة، ثمّة إجراء تعتزم الحكومة القيام به خلال الأيام القليلة المقبلة، أو وزارتا الداخلية والبلديات والخارجية والمغتربين، في ما يتصل بالمهل، خصوصًا أنّ المادة 112 من القانون الحالي تنصّ على وجوب استحداث الدائرة 16 الخاصة بالمغتربين، يليها إنشاء لجنة مشتركة بين وزارتي الداخلية والخارجية لتطبيق أحكام هذه الدائرة وفق المادة 123. وفي حال نجح هذا السيناريو، قد يؤدي إلى تأجيل تقني لبضعة أشهر، إذ إنّ فتح باب التعديل في المجلس النيابي يستوجب تمديد ولاية المجلس لأشهر محدودة لإعادة فتح المهل، ورجّحت المصادر أن يمتدّ هذا التمديد حتى النصف الثاني من تموز المقبل.
مصادر الرئيس بري: لا جلسة قريبة
في المقابل، لم تؤكّد مصادر رئيس مجلس النواب
نبيه بري لـ "
لبنان 24" المعلومات حول عقد جلسة نيابية قريبة لإقرار التعديلات على قانون الانتخاب، موضحةً أنّ أجواء اللقاء بين الرئيسين إيجابيّة "غير أنّ ملف الانتخابات لا يزال يحتاج إلى بلورة تفاهمات واضحة بين مختلف المكوّنات". وأشارت المصادر إلى أنّ التمديد التقني لأسابيع أو لأشهر قليلة يحظى بقبول معظم القوى السياسية.أمّا ما يُتداول عن طرح تمديد طويل بدفع من قوى خارجيّة، فأكدت المصادر أنّ "هذا الكلام لم يتجاوز الإطار الإعلامي".
وفي ما يتعلّق بطبيعة الإجراء الحكومي المحتمل حيال المهل القانونية، لفتت المصادر إلى أنّ
وزير الداخلية ملزم بدعوة الهيئات الناخبة في الثالث من شباط أو في العاشر منه، وأيّ خيار آخر يتطلّب اجتهادًا دستوريًا، وقد تكون الحكومة بصدد السعي للحصول على فتوى في هذا الشأن، ولا سيما أنّ المراسيم التطبيقية المتعلّقة بالدائرة 16 لم تُقرّ بعد. وبناءً عليه، تبقى الحكومة مقيّدة بنصّ القانون، وغير قادرة على تطبيقه فعليًّا في ظل عدم وضع المراسيم التطبيقية موضع التنفيذ.
حسابات الفريقين تتلاقى مع التمديد
كشفت المصادر نفسها أنّ قوى محليّة وخارجيّة أيضًا تدفع في اتجاه تأجيل يتجاوز الإطار التقني، ليصل إلى تمديد الولاية لسنة أو سنتين، ولكلّ طرف محلي حساباته الخاصة. الفريق "السيادي" لا يعارض الانتخابات مبدئيًّا، لكنّه يفضّلها مؤجّلة، حين تصبح نتائجها أكثر ضمانًا، بعد تثبيت معادلة حصريّة السلاح شمال الليطاني، بما يحدّ من تأثير العامل الأمني على سلوك الناخبين، ويعيد خلط أوراق التمثيل داخل الطائفة الشيعية وصولًا إلى كسر احتكار الثنائي لهذا التمثيل. ويستند هذا الرهان إلى تحوّلات إقليمية كبرى، من تراجع النفوذ
الإيراني إلى سقوط نظام
الأسد، باعتبار أنّ ترجمة هذه المتغيّرات انتخابيًّا تحتاج إلى وقت سياسي إضافي. أمّا الثنائي الشيعي فيرغب بدوره بالتمديد وإن لأسباب محتلفة كليًّا، بحيث يخوض هذا الفريق معركة وقت، مدركًا أنّ المجلس المقبل قد لا يشبه سابقه، وأنّ إعادة انتخاب نبيه بري رئيسًا للمجلس النيابي في الولاية المقبلة ليست مضمونة، ما يدفعه إلى تفضيل كسب الوقت عبر تمديد الولاية لسنة أو سنتين.
عون يرفض: لا لتحويل المجلس المقبل إلى بازار رئاسي
هذه الحسابات لا تنسجم مع مقاربة الرئيس عون، لأسباب عدّة، في مقدّمها حرصه على احترام المواعيد الدستورية، وتلفت المصادر إلى أنّ تجربة الانتخابات البلديّة شكّلت نموذجًا في مقاربة عون للاستحقاقات، حيث جرى تجاوز العوائق الأمنيّة واللوجستيّة بدل استخدامها ذريعة للتأجيل. ومن هذا المنطلق، يبدو في إصراره المتكرّر على إجراء الانتخابات النيابيّة في موعدها رسالة مزدوجة: إلى الداخل، لقطع الطريق على تسويات التمديد، وإلى الخارج، للتأكيد أنّ الإصلاح لا يُجزّأ ولا يُدار بمنطق الانتقاء. السبب الثاني، بحسب المصادر، بأنّ أي تمديد يتجاوز الإطار التقني سيحوّل المجلس النيابي المقبل إلى ساحة معركة رئاسية مبكرة، إذ إنّ تمديد الولاية لسنة أو سنتين يعني عمليًا أنّ المجلس المقبل سيتنتخب رئيس الجمهورية المقبل،في حين أنّ إجراء الانتخابات في موعدها أو حتّى مع تأجيل تقني يحول دون ذلك. انطلاقًا من هنا، أبدى عون حرصًا في الأيام الأخيرة على اطلاق مواقف شبه يوميّة أمام زواره، تشدّد على إجراء الاستحقاق في موعده.
بالمحصلة، تتّجه الأنظار إلى ما بعد إقرار الموازنة، حيث يُنتظر أن يتبلور مصير الجلسة التشريعية المرتقبة ومآلات التعديلات المقترحة، في وقت يتقدّم فيه خيار التأجيل التقني للانتخابات حتى تموز، وسط ترقّب لما إذا كان سيبقى ضمن الإطار الزمني المحدود أم سيتحوّل إلى مسار زمني وسياسي أشمل.