كتبت امل شموني في" نداء الوطن": يواجه
لبنان أزمة متفاقمة مع تصاعد حدة التوتر جراء الضربات
الإسرائيلية على المناطق الحدودية والمعابر
السورية اللبنانية. في موازاة ذلك، لا تزال آلية "الميكانيزم" شبه متوقفة هذا الشهر بانتظار تذليل عقبات سياسية، الأمر الذي يعقد جهود الجيش اللبناني في الوقت الذي يستعد فيه قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لزيارة مُهمّة إلى واشنطن في الفترة من 3 إلى 5 شباط لحشد الدعم للمؤسسة وإظهار التقدّم المحرز في مجال نزع السلاح.
وتشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن واشنطن عملت على "الحدّ حتى الآن" من التصعيد
الإسرائيلي، لكنها تترقب الملف الذي يحمله هيكل - والذي من المرجح أن يتضمن خرائط للمواقع التي كانت لـ "
حزب الله" والهياكل المفككة والجداول الزمنية – وتصفه مصادر البنتاغون بالمحوري للحصول على دعم أميركي مستدام، حيث تم توقيت الزيارة بشكل استراتيجي قبل مؤتمر باريس للمساعدات العسكرية وسط تدقيق متزايد من الكونغرس وكبار المسؤولين
الأميركيين. وتوقفت مصادر قريبة من البنتاغون عند الغارات الأخيرة التي شنتها القوات الإسرائيلية مؤخرًا على أربعة معابر حدودية سورية لبنانية، لافتة إلى أن استهدافها أقفل ممرات سهّلت تهريب أسلحة لـ "حزب الله". واعتبرت المصادر أنها تصبّ في خانة وقف تهريب الأسلحة وبالتالي وقف الانتهاكات للسيادة اللبنانية.
يأتي كل هذا فيما تواجه "الميكانيزم" حالة من الركود على صعيد المسار السياسي، وسط توقعات تشير إلى تغيير في إدارتها في موازاة استمرار التواصل والتنسيق على المستوى الأمني.
وقال دبلوماسي أميركي سابق إنه رغم سعي لبنان لإنهاء الضربات الجوية الإسرائيلية ودفع تل أبيب إلى الانسحاب من لبنان دبلوماسيًا إلا أنه لن يحصل أي تقدّم على هذا الصعيد قبل التنفيذ الكامل لخطة الجيش الرامية إلى بسط سيادة الدولة كاملة، معتبرًا أن رفض "حزب الله" تسليم سلاحه يحوّل الدولة إلى ورقة مساومة في الديناميكيات الإقليمية. وفيما تتطلع واشنطن إلى بدء المرحلة الثانية لنزع سلاح "حزب الله" (شمال الليطاني)، لا تزال الشكوك قائمة حول فعالية الخطوات التي اضطلع بها الجيش جنوب نهر الليطاني.
وقال مصدر في البيت الأبيض إن ما قدمه تقرير الجيش لا يستند إلى أدلة موثقة، مشيرًا إلى أن "الفجوة بين ندرة الأدلة المرئية والأرقام المنشورة صارخة"، وتعكس بأن لبنان "لم يقدم تقريرًا كاملًا يوضح سيطرته" على مناطق جنوب الليطاني. ورغم التصريحات السياسية من المسؤولين اللبنانيين، تشير مصادر قريبة من مجلس الأمن القومي إلى تعثر تنفيذ نزع السلاح غير الشرعي في لبنان، مع
العلم أن واشنطن لا تزال تمتلك نفوذًا لم يُستغلّ إلى حد كبير. ويشرح المصدر أن
الولايات المتحدة لم تُصدر أي تقييم رسمي لأداء الجيش اللبناني بعد تقريره حول إتمام المرحلة الأولى من جهود نزع السلاح، "ما يجعل التقييمات الإسرائيلية المرجع العلني الوحيد". ويلفت المصدر إلى أن "هذا الصمت لن يستمر طويلًا، لأنه يُخلّف ثغرات في المساءلة، ويسمح لـ "حزب الله" باستغلال حالة عدم اليقين".
من هنا، يشير خبير أميركي متخصص في سياسة واشنطن في
الشرق الأوسط إلى أن أميركا تتبنى حاليًا "دورًا سلبيًا قائمًا على ردود الفعل، بدلًا من المبادرة واستغلال ضعف إيران وهشاشة حزب الله"، مضيفًا أن ذلك قد يدفع
بيروت إلى البرودة بسبب تراجع الضغوط ما يرجح أن يفوّت لبنان "الفرصة الذهبية" لنزع سلاح "حزب الله" والسلاح غير الشرعي، ويترك الساحة للتصعيد العسكري الإسرائيلي.
وكتب جوني منيَر في " الجمهورية": إنّ التركيز الأميركي على الدور المطلوب من الجيش يصبح أكثر وضوحاً، مع ما ورد في وثيقة وزارة الحرب الأميركية. ومن هنا تكمن أهمية الزيارة التي سيقوم بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، بعد كل ما شاب زيارته التي كان جرى تأجيلها. وأرادت قيادة «السينتكوم» استباق الزيارة بلقاء تحضيري مع وفد من ضباط القيادة اللبنانية. والواضح أنّ الجانب الأميركي يريد حصول جسّ نبض مسبق حيال تفاصيل دقيقة للواقع العسكري، مع الإشارة إلى أنّ هذا الترتيب لم يكن يحصل في العادة. وقبل زيارة قائد الجيش وانعقاد جلسة
مجلس الوزراء، حصل الاصطدام السياسي بين قصر بعبدا و«حزب الله». فالأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم جدّد رفضه أي تعاون شمال الليطاني، مستخدماً عبارات قاسية، ومتعمّداً بذلك نسف كل الجسور لأي تراجع ممكن.
وهذه المواقف الحادّة أدّت إلى بروز خلافات علنية، وللمرّة الأولى، بين «حزب الله» و«الأخ الأكبر» نبيه بري. المهمّ أنّ «حزب الله» يرفض رفضاً باتاً أي مرحلة جديدة في خطة الجيش، وهو ما يمكن تفسيره بأنّ إيران تخلّت عن سياسة المراوغة لمصلحة سياسة المواجهة. وهناك من كان يفضّل أن يذهب قائد الجيش العماد هيكل إلى واشنطن وفي جيبه قرار واضح من مجلس الوزراء حول طريقة التعاطي مع المرحلة الثانية من الخطة، بحيث لا يُحمَّل وزر القرار السياسي. لكن حتى الآن لا يبدو أنّ مجلس الوزراء قادر على اتخاذ قرار البدء بالمرحلة الثانية وتحديد برنامج زمني واضح ومحدّد للتنفيذ، وهنا تكمن المشكلة. واقتراح اللجوء إلى نظرية «الاحتواء» لا تبدو عملية. فصحيح أنّ الجانب الأميركي سأل طويلاً عن معانيها وترتيباتها على الأرض، إلّا أنّ السؤال المحوري كان: لمن ستكون الإمرة الفعلية، لا الشكلية، على مخازن الأسلحة؟ ومن الواضح أنّ التعاون الميداني الذي كان قائماً في السابق بين الجيش و«حزب الله» قد انتهى. فحتى الجيش بات يحجم عن الذهاب للكشف عن أماكن استهداف الطائرات الإسرائيلية، لكي يتجنّب الاحتكاك بعناصر «حزب الله» الذين يكونون قد انتشروا بسرعة ونفّذوا دائرة انتشار مقفلة تماماً. في إسرائيل، بدأت المرحلة الانتخابية على ما يبدو. ومطلع الأسبوع الماضي أدلى نتنياهو بخطاب مسهب أمام الكنيست تطرّق فيه إلى الانتخابات المنتظرة. وفي خطابه أكّد التزامه بعدم السماح لإيران بإعادة ترميم قدراتها الصاروخية والنووية، مشيراً إلى أنّ إسرائيل مستعدّة لتوجيه ضربات قاسية لها إذا اقتضت الظروف ذلك. لكنّه لم يشر إلى «حزب الله». والسؤال هنا: هل إنّ ذلك يعني أنّ لبنان ليس في البرنامج الحربي، أم أنّ نتنياهو يتعمّد إخفاء شيء ما؟