في لحظةٍ لبنانية مثقلة بمحاولات "إدارة الخسائر" بعد حرب إسرائيلية لم تنتهِ فصولاً بعد، جاء خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، ليعيد ضبط البوصلة على عنوانٍ واحد: لبنان ليس جزيرة، وأيّ اشتباك كبير مع إيران لن يبقى خارج الحدود. الرسالة لم تُكتب بعبارات تضامنٍ عاطفي، بل بلهجة إنذارٍ سياس-أمني: ليس فقط لأن أي حرب على إيران "قد تشعل المنطقة"، ولكن أيضًا "لأننا لن نكون حياديّين" في هذه الحالة.
لا تتوقف أهمية الخطاب عند "الموقف" من إيران، والحرب التي تُقرَع طبولها، بل عند تزامنه مع واقعٍ جنوبيّ لا يهدأ في ظلّ غاراتٍ متواصلة، واستهدافات موضعية، ورسائل نارية تُبقي الحدود في حالة اختبار يومي، وكأنّ الميدان يسبق السياسة بخطوة دائمًا. بالتزامن مع الخطاب، كانت محاور عدّة في الجنوب تشهد موجا قصف وغارات، فيما توسّعت الاستهدافات لتشمل هذه المرة إعلاميًا في قناة "المنار"، محسوبًا على حزب الله".
وبين خطاب يربط الساحة
اللبنانية بإيران، وميدانٍ يضغط جنوبًا، بدا واضحًا أنّ "حزب الله" يرفع السقف السياسي ويعيد تثبيت فكرة "وحدة الجبهات" التي حاولت جهات كثيرة داخل لبنان وخراجه تقييدها منذ وقف النار، ليعود السؤال القديم بصيغة أكثر حدّة: هل يحاول "حزب الله" إعادة تثبيت "وحدة الجبهات" كقاعدة اشتباك، أم أنه يرفع سقف الخطاب لتحسين شروط الردع قبل أن تُفرض عليه معادلة جديدة، بالتوازي مع ضربة إيران المرتقبة؟
ماذا أراد الشيخ قاسم أن يقول؟
ليس جديدًا أن يقدّم "حزب الله" نفسه جزءًا من محورٍ إقليمي، لكن الجديد في توقيت الخطاب هو أنه يأتي على خلفية تصاعد واضح في منسوب التوتر الأميركي-الإيراني، ما يجعل "التحذير" أقرب إلى تموضعٍ استباقي: أي ضربة لإيران ليست حدثًا بعيدًا، بل مسارٌ قد يجرّ ساحات أخرى إلى قلب الاشتباك. وفي هذا السياق، تتقاطع لهجة قاسم مع موقف إيراني رسمي يرفع السقف أيضًا، لحدّ اعتبار أيّ هجوم على طهران بمثابة "حرب شاملة" عليها.
هنا بالذات يظهر جوهر الرسالة: تحويل لبنان من "ساحة قابلة للعزل" إلى "ساحة غير قابلة للفصل". فعندما يتحدث قاسم عن وسطاء نقلوا تحذيرات بشأن استهداف الحزب إذا ضُربت إيران، فهو لا يكتفي برواية "التوقعات"، بل يرسل إشارة إلى أن مسار الضغط على الحزب قد يُدار بعنوان إيران، وأن الحزب يقرأ الأمر كتهديد مباشر له، لا كملف سياسي قابل للمناورة. وبالنتيجة، يصبح الخطاب بمثابة “تعميم داخلي” أيضًا: "لسنا خارج المعركة".
مع ذلك، ثمّة من يقرأ في الحطاب "هامشًا واسعًا" يتركه قاسم مفتوحًا من بوابة أنّ "التفاصيل تحدّد في وقتها"، ما يعني أن القرار ليس إعلانًا مسبقًا لشكل التدخل بل رفعٌ لكلفة أي محاولة لفصل المسارات. هذا التفصيل بالذات يخدم هدفين متناقضين ظاهريًا لكنه متلازمان في خطاب الحزب: ردعٌ سياسي للخصوم (لا تختبروا فكرة الضربة المعزولة)، وفي الوقت نفسه إبقاء هامش المناورة قائمًا (لسنا مضطرين لإعلان قواعد اشتباك مسبقة).
الجنوب كاختبار يومي
في لحظة حساسة، أدخل الشيخ نعيم قاسم عنصرًا شديد الدلالة إلى المشهد: الحديث عن تهديدات تطال القيادة
الإيرانية، وربطها بمسؤولية "التصدي" لها. هذه الرسالة لا تُقرأ فقط على أنها تعاطف، بل كتعريف للمعركة بوصفها معركة "مشروع" لا معركة حدود، أي العودة إلى اللغة التي توسّع إطار الصراع من لبنان إلى "المنطقة" دفعة واحدة، وهي تتناغم في مكان ما مع مؤشرات تصعيد إقليمي تتجاوز الرغبة اللبنانية في تحييد الساحة.
هنا تصبح جملة قاسم عن أن "أي حرب على إيران قد تشعل المنطقة" أقلّ من تحذير إنشائي وأكثر من ترجمة لمعادلة واقعية: حين ترتفع حرارة الملف
الإيراني، تُستدعى تلقائيًا كل أوراق النفوذ والردع في الإقليم، من
العراق وسوريا إلى لبنان وغزة. ولكن، ثمّة من يسأل: هل لدى لبنان "الترف" لخوض مثل هذه المعركة، فيما يواجه "حربًا" في الجنوب؟ وثمّة من يذهب أبعد من ذلك: أليس الأولى بـ"حزب الله" أن يدافع عن أهله وناسه في الجنوب قبل إيران؟!
ففي الجنوب، تصعيدٌ بات أقرب إلى "اختبار يومي"، وقد بلغ الذروة في اليومين الماضيين، بما يكرّسه "ضغطًا بالنار" على أكثر من مستوى، لا مجرّد "رسالة موضعية"، وهو ضغطٌ لا يختبر "حزب الله" وحده، وإن كان الأخير متمسّكًا بسياسة "الصمت" التزامًا باتفاق لم تلتزم به
إسرائيل، بل الدولة اللبنانية أيضًا، الماضية في خطة "حصرية السلاح"، وسط مخاوف من أن يقرَأ خطاب "لا حياد" إسرائيليًا كحجّة لتوسيع الضغط الاستباقي جنوبًا، وهنا بيت القصيد.
إذا كان خطاب الشيخ قاسم يذكّر بأن أي صدام مع إيران سيرتد على المنطقة، فإن الميدان الجنوبي يذكّر بأن إسرائيل تتصرف أصلًا وكأن الهدنة ليست أكثر من "إدارة اشتباك"، لا نهاية له. وفي المسافة بين خطابٍ يرفع سقف "الربط" وبين غارات تُثبت "الضغط بالنار"، يصبح التحدي اللبناني الحقيقي: من يملك قرار منع التدهور؟ ومن يملك قرار "فصل الملفات" إذا احتاج البلد إلى فصلها؟