نشرَ موقع "atlanticcouncil" الأميركي تقريراً جديداً تحدث فيه عن ضرورة استمرار وجود دوليّ في جنوب
لبنان إثر انسحاب قوات "اليونيفيل" من هناك.
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" يقول إنه "مع حلول العام 2026، دخلت قوة
الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أشهرها الـ12 الأخيرة من العمليات بعد وجود دام 48 عاماً في هذا القطاع المضطرب من
الشرق الأوسط"، وأضاف: "بينما يُتوقع أن تُقلّص اليونيفيل وجودها وتغادر خلال فترة 12 شهراً في عام 2027، يُبذل جهد كبير لدراسة بدائل محتملة للوجود في جنوب لبنان. وسط ذلك، يخشى لبنان من أن يُلقي غياب الدعم الخارجي عبئاً ثقيلاً على القوات المسلحة
اللبنانية المنهكة أصلاً، والمسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان. إضافةً إلى ذلك، فإن غياب الرقابة الدولية على هذه المنطقة المضطربة من الشرق الأوسط قد يُشجع
حزب الله وإسرائيل على القيام بأعمال تُؤدي إلى تجدد الصراع".
وحث رئيس الحكومة نواف سلام على استمرار وجود قوة دولية في جنوب لبنان خلال اجتماع عقده قبل نحو أسبوع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقال للصحافيين هناك: "سنحتاج دائماً إلى وجود دولي في الجنوب، ويفضل أن يكون وجوداً للأمم المتحدة، نظراً للحياد والنزاهة اللذين لا يمكن أن توفرهما إلا الأمم المتحدة".
وذكر التقرير أن "هناك إدراكا عاما بأنَّ المجتمع الدولي لا يمكنه ببساطة التخلي عن جنوب لبنان بمجرد انسحاب قوات اليونيفيل، لا سيما وأن المنطقة لا تزال شديدة الاضطراب"، وأضاف: "فعلى الرغم من وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، يتعرض جنوب لبنان لغارات جوية إسرائيلية شبه يومية تستهدف مواقع يُزعم أنها تابعة لحزب الله ومواقع مسلحة. أيضاً، يعجز نحو 65 ألف لبناني من سكان المنطقة الحدودية الجنوبية عن العودة إلى منازلهم في القرى التي تضررت بشدة جراء حرب 2023-2024، وحملة الهدم المُسيطر عليها التي شنها الجيش
الإسرائيلي لاحقاً. كذلك، فقد أنشأ الجيش الإسرائيلي 5 قواعد عمليات أمامية ضخمة على تلال داخل الأراضي اللبنانية، ويفرض منطقة عازلة محظورة على طول الخط الأزرق، وهو المصطلح الذي تستخدمه الأمم المتحدة للإشارة إلى الحدود الجنوبية للبنان".
وأكمل: "نظراً لهذا الاضطراب، تدرس بعض الدول الأوروبية نشر قوة عسكرية جديدة في قطاع الليطاني الجنوبي، وهي المنطقة التي تبلغ مساحتها 1057 كيلومتراً مربعاً بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، والتي تُعدّ منطقة عمليات اليونيفيل. لم تظهر أي مقترحات ملموسة حتى الآن؛ ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الخيار المفضل هو إنشاء بعثة رسمية تابعة للاتحاد الأوروبي بقيادة بروكسل، أو تشكيل تحالف مؤقت من الدول الراغبة في العمل بموجب اتفاقية ثنائية مع الحكومة اللبنانية، أو التوصل إلى صيغة أخرى".
وتابع: "في كلتا الحالتين، ينبغي على مؤيدي إرسال بعثة جديدة إلى جنوب لبنان أن يكونوا متواضعين في توقعاتهم وأهدافهم. فليس من المجدي استبدال اليونيفيل ببعثة عسكرية أخرى قد تواجه نفس القيود المفروضة على ولايتها والتهديدات المحتملة التي واجهتها اليونيفيل على مدى السنوات التسع عشرة الماضية منذ أن توسعت من ألفي مراقب مسلح إلى قوة قوامها أكثر من عشرة آلاف من قوات حفظ السلام عقب حرب 2006 بين
إسرائيل وحزب الله. لقد اعتُبرت اليونيفيل فاشلة بشكل جوهري في مهمتها، مما أدى في آب الماضي إلى موافقة مجلس الأمن الدولي على إنهاء وجودها بنهاية عام 2026. لم تتمكن اليونيفيل من وقف الانتهاكات الجوية
الإسرائيلية اليومية للمجال الجوي اللبناني، ولا من منع التوسع العسكري المتسارع لحزب الله في منطقة عمليات اليونيفيل منذ حوالى عام 2020، والذي شمل إقامة نقاط مراقبة على طول الخط الأزرق، بل وحتى بناء العديد من ميادين الرماية".
وأضاف: "إذا كانت قوات اليونيفيل، بقواتها التي يبلغ قوامها عشرة آلاف جندي من أكثر من أربعين دولة، والمدعومة بالثقل الأخلاقي والسياسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قد أصبحت عاجزة أمام الأعمال والأهداف والمصالح المتنافسة لحزب الله وإسرائيل، فما الذي يجعل أي شخص يعتقد أن قوة عسكرية جديدة يهيمن عليها الأوروبيون في منطقة بحر البلطيق ستكون أفضل حالاً؟".
واستكمل: "علاوة على ذلك، إذا طُرح اقتراحٌ بنشر قوة عسكرية جديدة بقيادة الاتحاد الأوروبي في جنوب لبنان، فسيعارضها حزب الله بشدة. وحتى لو تجاهلت الحكومة اللبنانية اعتراضات حزب الله ووافقت على المهمة، فإن الجنود الذين سيشكلون القوة الجديدة سينتشرون في بيئة معادية وخطيرة. وكما تعلم اليونيفيل جيداً، يسيطر حزب الله على المجال العام في جنوب لبنان، ولديه القدرة المؤكدة على تصعيد أو تهدئة المشاعر العدائية تجاه قوات حفظ السلام وفقاً لإرادته".
وأضاف: "لا يعني ذلك أن يتخلى المجتمع الدولي عن أي فكرة لإرسال بعثة عسكرية إلى جنوب لبنان بمجرد انسحاب قوات اليونيفيل، وأن يتنصل ببساطة من مسؤوليته تجاه جنوب لبنان، فهناك عدد من العناصر المهمة لتحقيق الاستقرار، والتي ينبغي تطبيقها أثناء انسحاب اليونيفيل وبعده".
وتابع: "أولاً، هناك ضرورة أن يراقب المجتمع الدولي الوضع في جنوب لبنان لضمان عدم تمكّن الطرفين الرئيسيين، حزب الله وإسرائيل، من التصرّف دون رادع. ولهذا السبب، قد لا يكون من الضروري إنشاء قوة عسكرية جديدة لجنوب لبنان. فعندما تغادر اليونيفيل لبنان عام 2027، ستبقى بعثة أخرى تابعة للأمم المتحدة، وإن كانت أصغر حجماً بكثير، وهي هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO)".
وأضاف: "تقوم مجموعة مراقبي الأمم المتحدة في لبنان (OGL) بدوريات على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ ما يقرب من ثمانية عقود لمراقبة الالتزام باتفاقية الهدنة لعام 1949. وفعلياً، تتألف المجموعة من خمسين ضابطاً (برتبة نقيب ورائد)، وتعمل من قاعدتين للدوريات، ومنذ عام 2006 أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). ولعل الحل الأمثل لسد الفراغ الذي خلفته اليونيفيل هو زيادة عدد أفراد المجموعة حسب الحاجة، وتعديل ولايتها بشكل طفيف لتمكينها من مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي دعا جزئياً إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة بين نهر الليطاني والحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، بالإضافة إلى مهمتها الأصلية المتمثلة في مراقبة خط ترسيم الهدنة، وهو الاسم الأصلي الذي أطلقته الأمم المتحدة على الحدود".
التقرير تابع قائلاً: "أما في ما يتعلق بأي مخاوف تتعلق بحماية القوات، فإن وضعها غير المسلح وافتقارها لأي قدرة على إنفاذ التفويض يعني أنه لا ينبغي لحزب الله الاعتراض على توسعها واستمرار وجودها. علاوة على ذلك، تتمتع هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة بخبرة مؤسسية في العمل بمفردها في ظل بيئة أمنية متدهورة. ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي، وقبل وصول قوات اليونيفيل في آذار 1978، كانت منظمة التحرير
الفلسطينية متمركزة بعمق في جنوب لبنان، ومن هناك كانت تشن هجمات على إسرائيل. وإثر ذلك، أقام الجيش الإسرائيلي سياجاً أمنياً على طول الحدود، وأقام مواقع مراقبة نهارية داخل الأراضي اللبنانية مباشرة، ونفذ بانتظام غارات جوية وعمليات كوماندوز عبر الحدود، وهو وضع لا يختلف كثيراً عن الوضع القائم اليوم. وخلال كل ذلك، قامت هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة بدورياتها وتقديم تقاريرها بجد واجتهاد".
وأضاف: "يُعدّ استمرار قناة اتصال تكتيكية بين اللبنانيين والإسرائيليين عنصراً حاسماً ثانياً للاستقرار. ولطالما اضطلعت قوات اليونيفيل بدور الوسيط الحيوي بين لبنان وإسرائيل، موفرةً قناة اتصال تكتيكية موثوقة للتواصل وخفض التصعيد وإدارة الحوادث على طول الخط الأزرق، مما ساهم في احتواء الأزمات التي كان من الممكن أن تتفاقم إلى مواجهات أوسع".
وقال: "حالياً، توجد مجموعة تضم مندوبين من لبنان وإسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة واليونيفيل، تُعرف باسم الميكانيزم، والتي شُكّلت بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. أيضاً، فقد وُجّهت انتقادات للآلية لتركيزها بشكل أكبر على عملية نزع سلاح حزب الله بدلاً من ضمان التزام الطرفين بوقف إطلاق النار. مع ذلك، في تشرين الثاني، أضاف لبنان وإسرائيل دبلوماسيين مدنيين إلى الميكانيزم، مما يُتيح إمكانية توسيع نطاق المناقشات لتشمل جوانب أخرى غير المسائل العسكرية البحتة المتعلقة مباشرةً بالخط الحدودي. وفي غياب مثل هذا الطرف الثالث الوسيط، فإن الحوادث الروتينية أو سوء الفهم أو الاشتباكات المحلية ستحمل مخاطر أعلى بكثير من التصعيد السريع وسوء التقدير والصراع غير المقصود بين خصمين لا توجد بينهما آليات اتصال دبلوماسية أو عسكرية مباشرة".
وأكمل: "يتمثل الشرط الثالث لتحقيق استقرار مستدام في منطقة جنوب لبنان في ضمان استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني. فالجيش اللبناني مُرهَق بشدة جراء نشر ما يصل إلى عشرة آلاف جندي في جنوب لبنان ، بالتزامن مع تعزيز وجوده على طول الحدود المتوترة مع
سوريا، فضلاً عن مهامه الأمنية الداخلية اليومية. وهنا يُمكن توظيف الدعم العسكري الأجنبي للبنان بشكل أكثر فعالية. فبدلاً من إرسال بعثة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان لمحاكاة التفويض المبهم لقوات اليونيفيل بدعم منطقة خالية من الأسلحة جنوب الليطاني، يُمكن لبعثة دعم صغيرة للجيش اللبناني أن تُركز على تمكين وجود مستدام له في منطقة جنوب لبنان من خلال الخدمات اللوجستية والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع ودعم الحركة والتخطيط المشترك، وهي مجالات تُعدّ فيها قيود الجيش اللبناني هيكلية وليست سياسية. من شأن ذلك أن يُحوّل تركيز ومضمون إنفاذ القانون من القوات الأجنبية إلى الدولة اللبنانية، مع وضع الجيش اللبناني في صميم عملية توفير الأمن. أيضاً، يمكن لهذه المهمة الجديدة أن تعمل بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة الموسع، وإلى جانبه، تاركة مهام المراقبة للأخير بينما تركز الأولى على دعم القوات المسلحة اللبنانية".
وأكمل: "يُتيح الانسحاب الوشيك لقوات اليونيفيل، بعد ما يقرب من خمسة عقود من التواجد في جنوب لبنان، فرصاً لتصحيح إخفاقات بعثة الأمم المتحدة من خلال تبني بدائل واقعية ومحددة الأهداف. ويمكن لهذه البدائل أن تجمع بين قدرة على الرصد والإبلاغ، وقناة اتصال تكتيكية من طرف ثالث لتمكين التواصل بين لبنان وإسرائيل، وتعزيز الدعم المقدم للجيش اللبناني. مع هذا، فإن تقاعس المجتمع الدولي عن تقديم الدعم اللازم يُنذر بإرهاق الجيش اللبناني إلى حد الانهيار، مما يمهد الطريق لعودة محتملة لحزب الله في جنوب لبنان، ولمزيد من السلوك العدواني من جانب الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى استئناف صراع أوسع نطاقاً".