كتب داوود رمال في" نداء الوطن": تندرج زيارة الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير إلى
لبنان في 16 من الشهر الحالي، في سياق مرحلة مفصليّة يتقاطع فيها مستقبل الوجود الدولي في الجنوب مع مسار تثبيت سلطة الدولة
اللبنانية وتعزيز قدرات الجيش، فضلًا عن إعادة تموضع العلاقات اللبنانية - الأوروبية ضمن معادلة أمنية وسياسية جديدة. فالزيارة التي ستتضمّن محادثات مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إضافة إلى تفقد القوّة البحرية
الألمانية العاملة ضمن إطار قوات "اليونيفيل"، تعكس إدراكًا ألمانيًا متزايدًا لحساسيّة المرحلة الانتقالية التي تسبق انتهاء مهمة القوات الدولية في جنوب لبنان نهاية عام 2027، وما يفرضه ذلك من إعادة صياغة مقاربة الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.
ومن هذا المنطلق، يبحث لبنان مع ألمانيا وسائر الدول الصديقة في الخيارات الممكنة لاستمرار هذا الحضور، سواء عبر اتفاقيات ثنائية أو ترتيبات تعاون أمني وتقني أو أطر متعدّدة الأطراف تضمن استمرارية الدعم الدولي للجيش اللبناني، بما يحفظ الاستقرار ويمنع أيّ انزلاق نحو الفوضى.
وتأتي هذه المناقشات في ظلّ عرض لبنانيّ شامل للوضع الأمني في الجنوب، حيث استكمل
الجيش اللبناني انتشاره في منطقة جنوب الليطاني، وبسط سلطته الكاملة على الأرض، وأزال جميع المظاهر المسلّحة، بما يعكس
التزام الدولة بتنفيذ تعهّداتها الدولية، ولا سيّما القرار 1701. وتؤكد هذه الوقائع أن الجيش بات يمسك فعليًا بزمام الأمن في المنطقة، وأن الأراضي اللبنانية لم تشهد أيّ إطلاق نار منذ استكمال هذا الانتشار، ما يعزز موقع لبنان في مطالبة المجتمع الدولي بإلزام
إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بالمقابل.
وتندرج زيارة شتاينماير ضمن مقاربة أوسع تتعلّق بمسار تثبيت سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها، وهو قرار اتخذ على المستوى الوطني ويجري تنفيذه تدريجيًا وفق خطة متكاملة تجمع بين الإجراءات العسكرية والاتصالات السياسية، بما يضمن تحقيق هذا الهدف من دون تعريض الاستقرار الداخلي لأيّ اهتزاز. ويعكس هذا المسار محاولة لبنانية لإعادة بناء معادلة الدولة القادرة، التي تحتكر استخدام القوّة وتدير الأمن الوطني وفق المؤسّسات الشرعية، وهو ما يحظى بدعم أوروبيّ واضح، نظرًا لما يشكّله من عنصر أساسي في منع انزلاق لبنان إلى الفوضى أو التحوّل إلى ساحة صراعات إقليميّة.
تعكس زيارة الرئيس الألماني إلى
بيروت إدراكًا متبادلًا بأن لبنان يقف أمام مرحلة انتقالية حسّاسة تتطلّب تثبيت الشراكات الدولية وإعادة صياغة آليات الدعم الأمنيّ والعسكري والاقتصادي. وهي تشكل في الوقت نفسه اختبارًا لمدى قدرة الدولة اللبنانية على استثمار هذا الدعم لتعزيز سيادتها وترسيخ الاستقرار، كما تمثل فرصة لألمانيا لتأكيد دورها كأحد أبرز الشركاء
الأوروبيين للبنان في مرحلة ما بعد "اليونيفيل". وبين هذين البُعدين، تتكرّس معادلة جديدة تقوم على الربط بين استقرار لبنان واستقرار المنطقة وأمن
أوروبا، ما يجعل من هذه الزيارة محطة أساسية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.