تتعامل "
القوات اللبنانية" في خطابها السياسي على أنها خرجت منتصرة من الصراع الذي شهدته المنطقة، وأن هذا التحول انعكس تلقائيًا على موقعها داخل
لبنان. غير أن قراءة هادئة للمشهد الداخلي تُظهر أن حزب"القوات"يمر اليوم في واحدة من أكثر مراحله السياسية تعقيدًا، حيث تتراكم التحديات من جهات متعددة، في وقت تبدو فيه شبكة تحالفاته أضيق من أي وقت مضى.
على المستوى الدرزي، الصورة ليست مثالية. صحيح أن باب التحالف الانتخابي مع "
الحزب التقدمي الاشتراكي" قد فتح عند الحاجة، لكن العلاقة السياسية الأوسع مع معظم القوى الدرزية الأساسية لا توحي بوجود تقاطع عميق أو شراكة استراتيجية. الأمر يبدو أقرب إلى تقاطع مصالح ظرفي منه إلى تموضع سياسي متين.
سنيًا، لا تبدو الأمور أفضل حالًا ايضاً. العلاقة مع "
تيار المستقبل" تمر في مرحلة قطيعة واضحة، فيما التواصل مع عدد من الشخصيات السنيّة لا يكفي لتكوين حالة توازن أو حضور مريح داخل هذه الساحة.
وهذا يضع "القوات" أمام معضلة حقيقية في دوائر تحتاج إلى شراكات عابرة للطوائف لضمان نتائج متقدمة.
أما على الساحة
المسيحية، حيث تسعى "القوات"إلى تكريس نفسها مرجعية أولى، فالطريق ليست سالكة بالكامل. أما العلاقة مع "
التيار الوطني الحر" فهي في حدها الأدنى سياسيًا، ولا تحتاج إلى شرح إضافي في ظل تاريخ طويل من المواجهة والتنافس الحاد. حتى على مستوى الشخصيات المستقلة، لم تتجنب "القوات" الاشتباك، بل فتحت جبهات جديدة زادت من عزلتها بدل أن توسّع هامشها.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع "
الثنائي الشيعي"، فهي في أسوأ مراحلها، ما يعني عمليًا غياب أي قنوات تواصل يمكن البناء عليها في الاستحقاقات الكبرى. هذا الواقع يجعل "القوات"، رغم خطابها التصاعدي وثقتها المعلنة، أمام شبكة علاقات محدودة التأثير خارج بيئتها المباشرة.
من هنا يبرز السؤال: إذا كانت "القوات" توحي بأنها أصبحت أقوى من أي وقت مضى، فلماذا تبدو محاطة بهذا الكم من الخصومات والقطيعة ؟ القوة في السياسة لا تُقاس فقط بحجم الخطاب أو نسبة التأييد داخل البيئة الحاضنة، بل بقدرة الحزب على بناء تحالفات وتفاهمات عابرة للانقسامات. وفي هذا المجال تحديدًا، تبدو "القوات" أمام اختبار دقيق في المرحلة المقبلة.