لم يعد سوق الحلويات في
لبنان ينتظر "مزاج
رمضان" بقدر ما ينتظر قدرة الناس على الدفع. في السنوات الماضية كانت
الصينية حاضرة تلقائيًا على المائدة، أما اليوم فالمشهد يتبدّل بهدوء وبذكاء. كثيرون دخلوا الشهر بعادة جديدة اسمها "على الحبة"، لا لأنها موضة بل لأنها الطريقة الأقل إيلامًا للبقاء داخل الطقس الرمضاني من دون كلفة صادمة. هكذا صار "نصف صينية"خيارًا شائعًا، وصار شراء قطعتين أو ثلاثًا موزونًا أكثر من شراء كمية تفرض على العائلة ميزانية كاملة.
في محال كثيرة تغيّر شكل
العرض نفسه. بدل الواجهات المليئة بالصواني الكبيرة، برزت أحجام أصغر، علب خفيفة، وتشكيلات مصمّمة لزبون يريد "الذوق" لا التخزين. بعض المحال لجأت إلى نماذج تسعير جديدة، فتوسّع البيع بالقطعة، أو صار السعر مرتبطًا بالوزن بدقة أكبر، فيما حافظت محال أخرى على الصواني لكن بأحجام "مخفّضة" تُسوَّق كحل وسط بين الرغبة والقدرة. خلف هذا التحول منطق واضح: الزبون لم يتوقف عن شراء الحلويات، لكنه صار يشتري بطريقة مختلفة، ويحسبها أكثر.
في المقابل، صعدت المنافسة المنزلية من الهامش إلى الواجهة. "حلويات البيت"التي كانت تُقدّم غالبًا للمعارف صارت تُباع على نطاق أوسع عبر الطلبات ووسائل التواصل. هذا النمو ليس مجرد رغبة في الربح، بل انعكاس لاقتصاد منزلي يحاول تعويض فجوة الدخل، ولزبون يفتّش عن سعر أخفّ حتى لو كان مقابل تغليف أبسط. كثيرون باتوا يفضّلون المنتج المنزلي لأنه يعطيهم كمية أكبر بالمال نفسه، أو لأنه يسمح بطلب "حسب الحاجة" من دون الالتزام بصينية كاملة، فيما آخرون لا يزالون يراهنون على اسم المحل وجودته كجزء من طقس رمضان.
اللافت أن "البدائل الأرخص" لم تعد مرتبطة فقط بتغيير مكان الشراء، بل بتغيير الخيارات نفسها. هناك زبائن تخلّوا عن أصناف اعتادوا عليها لصالح خيارات أقل كلفة، أو مزجوا بين نوعين بدل ثلاثة، أو اعتمدوا "قطعة واحدة مميزة" بدل طبق متنوع. وهذا التحول يضغط على المحال أيضًا، فبعضها حاول حماية الزبون من الصدمة عبر عروض محدودة أو تشكيلات اقتصادية، وبعضها الآخر فضّل الإبقاء على الجودة والسعر معًا، ما جعل الفارق بين "حلويات المحل" و"حلويات البيت" أكثر حساسية هذا العام.
في النهاية، لم يختفِ رمضان من واجهات الحلويات، لكنه تغيّر. السوق لم ينكمش فقط، بل أعاد تنظيم نفسه على مقاس الجيب. "الحبّة" هنا ليست تفصيلاً، بل مؤشر على اقتصاد يومي يفرض على اللبناني أن يفاوض حتى على الحلاوة. ومع ذلك، يبقى في المشهد شيء ثابت، فالناس ما زالت تريد الطعم والفرحة، لكنها تبحث عنهما اليوم بأقل كلفة ممكنة، وبأكثر قرار شراء محسوب.