كتبت صحيفة "الاخبار": ارتفعت أسعار الحلويات في
لبنان بنحو 10% مع بداية شهر رمضان، متأثّرة بزيادة رسم البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة وغلاء المواد الأولية. وعلى إثْر هذه التغيّرات تبدّل سلوك المستهلكين نحو التحضير المنزلي، وتراجعت العروضات والعمالة الموسمية في عدد من المحالّ.
يُعدّ الإقبال على محالّ الحلويات في شهر رمضان أحد أبرز مؤشّرات الاستهلاك الموسمية. ولكن هذه السنة ترافق الصوم مع إقدام حكومة نواف سلام على زيادة قيمة عدد من الضرائب والرسوم التي تمسّ مباشرة بصناعة الحلويات، ما أثّر على أسعار هذه المُنتجات، مثل الرسم الإضافي على البنزين، وزيادة نسبة 1% على الضريبة على القيمة المضافة، ما أدّى في «حصيلة أولية» إلى ارتفاع نسبته 10% على أسعار الحلويات.
في الأسواق ترافق ارتفاع الأسعار مع تغيّر واضح في سلوك مستهلكي الحلويات ومحالّ بيعها. هذه السنة لا توجد «عروضات خاصة» مثلاً، كما لم تقم المحالّ باستقدام «عمال موسميين» لتلبية الطلب في شهر رمضان. أمّا من جهة المستهلكين، فهناك توجّه إلى الاعتماد أكثر على شراء المواد الأولية لتحضير الحلويات، وتجنّب شرائها جاهزة، فضلاً عن التوجه إلى استهلاك أصناف مُحدّدة وانخفاض الطلب على الأصناف الأغلى ثمناً.
في المقابل، تكشف حركة البيع في محالّ «صدقة» على طريق صيدا القديمة وفي بئر العبد عن منحى مختلف، حيث يحتشد المواطنون لشراء المواد الأولية اللازمة لتحضير الحلويات منزلياً، مثل «عجينة الرقاقات والعثملية». ووفقاً لعدد من المشترين، يعكس هذا الخيار مسارين متداخلين، من جهة فهو محاولة لتوفير كلفة الحلويات الجاهزة، ورغبة في مراعاة أذواق شخصية في طريقة التحضير من جهة أخرى، بما يمنح الأسر هامشاً أكبر للتحكم بالكلفة والمكوّنات. وتتجلّى ملامح التكيّف اليومي القسري مع الكلفة بوضوح. مثلاً تلجأ أمل إلى تحضير الحلويات المنزلية لتلبية رغبات أولادها، مستغنية عن المكسّرات التي تزيّن عدداً من الحلويات الرمضانية، تخفيفاً للأعباء.
اضافة الى الحلويات، اجتمعت عدة عوامل لرفع اللحوم عن موائد الفقراء، منها الخارجة عن السيطرة المحليّة مثل التقلّبات العالمية في الأسعار، والأمراض التي أصابت المواشي كـ«الحمى القلاعية»، ومنها ما هو ناتج من غياب سياسات تحمي الفقراء من جشع التجار، ومن الرسوم والضرائب العشوائية التي فرضتها الحكومة أخيراً. ولزيادة الطين بلّة، تزامنت هذه العوامل مع بداية شهر رمضان، ما أدّى إلى انحسار اللحوم عن موائد الفقراء، ولا سيّما أنّ الزيادة في سعر كيلوغرام اللحم الأحمر تراوح بين 9% و50%، وفقاً للصنف ونقطة البيع.
بحسب نتائج جولة أجرتها «الأخبار» على عدد من الملاحم والسوبرماركات في
بيروت وضواحيها، تبيّن أنّ كلّ أصناف «اللحم الأحمر»، أي لحم البقر والغنم، ارتفع سعرها، إنّما بشكل متفاوت، وفقاً للنوع والمصدر. لحم البقر
الأوروبي مثلاً ارتفع سعر الكيلوغرام منه من 14 دولاراً إلى 17 دولاراً في عدد من الملاحم، وبسبب الفوضى وغياب الرقابة الفاعلة وصل سعره إلى 19 دولاراً في عدد من نقاط البيع، أي بارتفاع نسبته 35%. واللحم البرازيلي المستورد بشكل مذبوح وجاهز، لم ينجُ كذلك من الغلاء، إذ ارتفع سعره بنسبة بلغت 22%، من 14دولاراً للكيلوغرام الواحد إلى 18 دولاراً.
حتى «اللحوم البلدية»، والتي يُفترض أن تكون بمنأى جزئياً عن التقلبات العالمية في أسعار اللحم أصابتها النسبة العليا من الغلاء. لحم «البقر البلدي» ارتفع سعر الكيلوغرام منه من 12 دولاراً إلى 18 دولاراً، أي بزيادة نسبتها 50%. أمّا لحم «الغنم البلدي»، فلم يصبه الغلاء بنسب عالية بسبب ارتفاع سعره أصلاً، إذ كان سعر الكيلوغرام منه يبلغ 26 دولاراً قبل شهر رمضان، واليوم زاد سعره بنسبة 9%، وأصبح 29 دولاراً للكيلوغرام.
المفاجِئ في المشهد هو ما أبداه أمين سر نقابة القصّابين وتجار المواشي الحيّة ماجد عيد بعد اطّلاعه على ارتفاع الأسعار الذي رصدته «الأخبار»، إذ أعرب عيد عن دهشته، واستدرك بأنّ «الأمر مرتبط بارتفاع الطلب، مقابل انخفاض العرض». وبحسب تفسيره للارتفاع الكبير في أسعار اللحوم في لبنان يشير عيد إلى ارتفاع عالمي طرأ على أسعار المواشي الحيّة في الشهرين الماضيين بسبب التضخّم المستمر في الأسعار.
وإلى جانب هذا العامل يلفت إلى أنّ منع وزارة الزراعة استيراد الأبقار الحية لنحو ثلاثة أشهر بسبب الحمّى القلاعية أدّى أيضاً إلى ارتفاع محلّي في الأسعار، متوقّعاً أن يكون هذا الأمر «قد أدّى إلى فتح السوق السوداء، وزاد من الفروقات في الأسعار بين نقاط البيع، مع وجود جشع في بعض الحالات».
وفقاً لعيد، «اليوم، يجب أن تكون الأسعار كالتالي: 13 دولاراً لكيلوغرام اللحم البرازيلي، و18 دولاراً للأوروبي، بعد احتساب التكلفة على نقاط البيع بالمفرق، وإضافة هامش ربح نسبته 30%». غير أنّ عيد يلفت إلى أنّ بعض المستوردين والتجار رفعوا الأسعار بشكل غير طبيعي، وهذا التصرف يجبر الآخرين على رفع أسعارهم لمجاراة السوق، وضمان القدرة على تلبية الطلب. على سبيل المثال، كان سعر كيلو البقر البرازيلي الحي 4.5 دولارات، وارتفع أخيراً إلى 5.2 دولارات.
وفي ما يتعلق بالغنم المُستورد من
سوريا، فيسرد عيد أنّه «تمّ وضع بروتوكول زراعي بين الدولتين منذ سنة، لكن لم يُطبّق بسبب غياب التجهيزات على الحدود، ما أدّى إلى استمرار التهريب». وفي هذه الفترة، تكافح الدولة
اللبنانية التهريب، وتصادر الأغنام المُهرّبة بأعداد كبيرة إلى داخل لبنان، يقول عيد، لافتاً إلى أنّ «هذه الحملة، وتوقيتها قبل شهر رمضان، على الرغم من أهميتها، أثّرت سلباً على
العرض، مقابل ارتفاع في الطلب، ما أدّى عن غير قصد إلى تشجيع السوق السوداء وارتفاع الأسعار» في هذه الفئة.
اضافة الى ذلك، ارتفعت تكلفة الإفطار في المطاعم اللبنانية من 15 دولاراً عام 2020 إلى 65 دولاراً اليوم في بعض الأماكن، مع تفاوت يصل إلى عشرة أضعاف بين بيروت والأطراف.
فعملياً لم تتغيّر قيمة فواتير الطعام في المطاعم فقط، بل تغيّرت وظيفة الخروج إلى المطعم أيضاً، من خيار اجتماعي متاح لشريحة أوسع، إلى قرار محسوب يرتبط بالقدرة على تحمّل كلفة باتت تُقاس بحجم المدخول الشهري، إذ ارتفعت تكلفة إفطار الشخص الواحد من 15 دولاراً قبل خمس سنوات، إلى 65 دولاراً اليوم، ما يختصر تحوّلاً أعمق في نمط العيش، يمسّ مختلف فئات المجتمع.
تكفي مقارنة سريعة بين تكلفة الإفطار للشخص الواحد منذ 5 سنوات لفهم حجم التحوّل. ففي عام 2020، ومع بداية انفلات سعر صرف الدولار، بلغت قيمة أغلى وجبة إفطار 15 دولاراً. وفي عام 2024 ارتفعت قيمة الوجبة إلى 35 دولاراً، إنّما لم ينظر لهذه القفزات على أنها استثناء قياساً بمسار التضخّم. أما في عام 2025، فقد استقر الحد الأدنى لقيمة وجبة الإفطار في بعض مطاعم العاصمة عند 40 دولاراً، ومن دون سقف أعلى لقيمة الوجبة الواحدة بدأت الأسعار تأخذ مساراً تصاعدياً شبه متواصل.
ومع بداية شهر رمضان من كل عام، تعلن المطاعم عن لوائح إفطاراتها، والتي تتنوع بين «بوفيهات مفتوحة»، وبين قوائم محددة تشمل طبقاً رئيسياً مع مقبلات وحلويات رمضانية. إلا أنّ هذه العروض تتفاوت أيضاً بالأسعار تبعاً للموقع الجغرافي، وطبيعة المطعم، ومستوى الخدمة، ما يفتح باب المقارنة بين العاصمة والأطراف، وبين المناطق ذات الطابع السياحي، وتلك ذات الكثافة السكنية المرتفعة.
في بيروت، تبدأ أسعار الإفطار الرمضاني في عدد من المطاعم من 40 دولاراً للشخص الواحد، وتصل في بعض الأماكن إلى 65 دولاراً، ولا سيما في الفنادق والمطاعم المصنّفة «فاخرة» أو التي تقع في ما يعرف بـ«البلد».
في المقابل، تتفاوت الأسعار في الضاحية الجنوبية، حيث الكثافة السكانية الأعلى، بين 6 دولارات و35 دولاراً للشخص الواحد، وفقاً لطبيعة المطعم أيضاً وموقعه. أما في جنوب لبنان، ورغم الاعتداءات
الإسرائيلية المستمرة بشكل يومي، فتحت المطاعم أبوابها، وبلغت التكلفة الوسطية للإفطار فيها معدلاً وسطياً قدره 15 دولاراً، إلا أنّها وصلت في عدد من المطاعم إلى 40 دولاراً، لا سيّما في المدن الساحلية. وفي شمال لبنان، من البترون وصولاً إلى عكار، تتراوح أسعار الإفطارات من 15 إلى 50 دولاراً للشخص الواحد. ويُسجَّل ارتفاع نسبي في المناطق الساحلية ذات الطابع السياحي، مقارنة بالمناطق الداخلية.