كتب محمد شقير في"الشرق الاوسط": قالت مصادر لبنانية إن «الصواريخ الخاطئة» بالتوقيتين السياسي والشعبي، التي أطلقتها على إسرائيل المقاومة الإسلامية - الجناح العسكري لـ«حزب الله»، ضربت بالدرجة الأولى مصداقية الأمين العام للحزب نعيم قاسم أمام رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري بإخلاله بالتعهد الذي كان قطعه له بعدم التدخل إسناداً لإيران، وأضافت أن تلك الصواريخ وضعت الطائفة الشيعية ولبنان في دائرة الخطر الشديد بتهديد إسرائيل باجتياح منطقة جنوب الليطاني بعمق 15 كلم، برغم أن الصواريخ لم تُطلق منها، على حد تأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لسفراء اللجنة «الخماسية» الذين أكدوا وقوفهم إلى جانب قرار الحكومة بحظر النشاط العسكري والأمني للحزب. وحسبما أفاد مصدر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، طرحت تلك الصواريخ أسئلة حقيقية حول مال السيطرة على القرار داخل الحزب ومن يتخذه ما دام أن قاسم نفسه لم يوفر الحماية لتعهده بعدم التدخل إسناداً لإيران. وتساءل المصدر هل من علاقة لـ«الحرس الثوري الإيراني» في إحراج الحزب محلياً وخارجياً بتأليب جهة حزبية هي التي تقف وراء إطلاق الدفعة الأولى من الصواريخ من منطقة تقع شمال نهر الليطاني، (تحديداً في قرى قضاء صيدا - الزهراني)، سرعان ما تبنتها قيادة الحزب بخلاف ما تردّد بأنها تتبرأ منها؟ وتابع المصدر أنه كان حرياً بقاسم أن يحفظ رأس الحزب عندما تتدخّل الأمم في صراع مفتوح.
وقال المصدر إن «الصفعة السياسية» التي أصابت قاسم ليست الأولى، بل هي الثانية، بعدما تفلّت من تعهده بتأييد البيان الوزاري الذي نص على حصرية السلاح بيد الدولة وشارك على أساسه بوزيرين. وأكد المصدر أن امتناع بري عن التعليق لا يخفي انزعاجه الشديد حيال تفلّت قاسم من تعهده، بعدما كان عون تلقى عبر السفير الأميركي في
بيروت ميشال عيسى، رسالة من إدارته تؤكد بأن إسرائيل ليست في وارد القيام بأي تصعيد ضد
لبنان ما دام أن لا أعمال عدائية من الجبهة
اللبنانية.
ولفت المصدر إلى أن إطلاق الصواريخ يضع علاقة «حزب الله» بإيران أمام إشكالية يُفترض أن تتفاعل، وهي ناجمة عن تحريض «الحرس الثوري» الإيراني جناحه العسكري على الإقدام على هذه الخطوة؛ ما أدى إلى اهتزاز مصداقيته أمام حاضنته الشعبية من جهة ووفر «الحرس الثوري» صاحب اليد الطولى بالسيطرة على قرار الحزب؛ وهو ما أدى بدوره إلى اهتزاز العلاقة مع بري.
أكد المصدر بأن الفارق بين قاسم وسلفه حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، يكمن في أن قاسم لا يستطيع التخفيف من ضغط «الحرس الثوري» على الحزب ويعجز عن مقاومته بما يجعله يضع في الحسبان تداعيات القرارات على الداخل اللبناني والأضرار التي يمكن أن تترتب على الحزب، بخلاف سلفه الذي لا يوافق دائماً على كل ما تطلبه
إيران، وكان يدخل في نقاش تحت سقف الأخذ والرد لخفض مفاعيل أي قرارات على الساحة المحلية ومراعاته ما أمكن للوضع الداخلي.
أما قاسم، حسب المصدر، فلا يجد ما يقوله لبيئته حول الموانع التي حالت دون رد المقاومة الإسلامية على اغتيال نصر الله، في حين لم يتردد الحزب بإسناد إيران، ولفت إلى أن قاسم يربط عدم ردّه بالالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية، وهذا ما انسحب على تعامله مع خروق واعتداءات إسرائيل وملاحقتها واغتيالها أبرز قادته السياسيين والعسكريين وكوادره الأمنية. وتابع المصدر متسائلاً: «كيف سيبرر قاسم لبيئته امتناعه عن الرد على الاعتداءات
الإسرائيلية المتكررة، في حين لم يتردد في توفير الغطاء السياسي لإسناد إيران؟»
وتردد بأن وزيري الحزب الطبيعيين محمد حيدر وراكان نصر الدين اللذين فوجئا بإطلاق الصواريخ، تبلّغا في جلسة
مجلس الوزراء بأن المطلب الدولي هو حظر النشاط العسكري للحزب، وأن لا مجال للرجوع عنه، خصوصاً وأنه قوبل بتأييد من الوزراء المحسوبين على بري ولا يبقى على الحكومة إلا أن تتحمل تنفيذه بلا تردد. جاء ذلك، بعدما كان عون وخلال ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الذي سبق الجلسة الحكومية، قال إنه لا يستبعد الحرب، وطلب من الوزراء المعنيين وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية الإعداد منذ الآن على أنها واقعة، إلا إذا التزم الحزب بتعهداته.
ومع أن المصدر توقع بأن تكون الحرب الإسرائيلية على لبنان آخر الحروب، سأل في المقابل، هل وقعت قيادة الحزب في تقدير عسكري خاطئ بإسناد إيران اعتقاداً منها بأن الحرب لن تطول وبشيء من الصمود قد يفتح الباب أمام اتفاق لوقف النار ومفاوضات يكون الحزب طرفاً فيها؟ لكن المصدر يسارع إلى الإجابة بالقول إن ذلك «من سابع المستحيلات، وسيضع العلاقات اللبنانية - الإيرانية على حافة الهاوية، خصوصاً إذا ما اتخذت دول الخليج العربي قرارها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران».
وكتب عماد مرمل في" الجمهورية": بعد ردّ رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد على سلام عقب صدور قرار مجلس الوزراء، شنّ نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي هجوماً عنيفاً على الحكومة التي اتهمها بأنّها «خارجة عن القانون الدولي الذي يجيز للشعوب مقاومة الاحتلالات». وبمعزل عن الخلاف الداخلي حول أحقية «حزب الله» في إطلاق صواريخ الفجر التي شكّلت شرارة انفجار المواجهة مجدداً على الجبهة اللبنانية، فإنّ الحزب يعتبر من الناحية الاستراتيجية انّه مستهدف قبل العدوان على إيران وخلاله وبعده، وانّ الدور آتٍ عليه حُكماً إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، وبالتالي هو يخوض، وفق معاييره، معركة الدفاع عن أصل وجوده المهدّد، ويحدّد خياراته على هذا الأساس. ولكن، ما هي دوافع «حزب الله» إلى البقاء في الحكومة وعدم قطع الخيط الرفيع الذي لا يزال ممدوداً بينه وبين عون، ما دام يعتبر انّه يتعرّض للاستهداف منهما؟
ويحاول الحزب أن يتفادى في هذا التوقيت الانزلاق إلى معارك جانبية متدحرجة، فيما هو يتعرّض لحرب إسرائيلية واسعة تستهدف اجتثاثه، خصوصاً انّه يعرف انّ اي فتنة او أزمة داخلية ستضعف موقعه وستعطي تل ابيب خدمة مجانية، ولذا هو يميل راهناً إلى ضبط خياراته السياسية في الداخل على إيقاع متطلبات هذه اللحظة المصيرية.
وما يساعد الحزب في منع خروج الأمور عن السيطرة على المستوى الداخلي، أقله حتى الآن، حرص قائد الجيش العماد رودولف هيكل على تجنّب الصدام معه، وسعيه إلى تكييف قرارات الحكومة مع الواقع اللبناني، وقدرات الجيش تحت سقف حماية السلم الاهلي.