تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

عودة عن عيد الأم: الأمومة في الفكر المسيحي صورة حية عن المحبة التي تبذل نفسها عن الآخرين

Lebanon 24
22-03-2026 | 07:06
A-
A+
عودة عن عيد الأم: الأمومة في الفكر المسيحي صورة حية عن المحبة التي تبذل نفسها عن الآخرين
عودة عن عيد الأم: الأمومة في الفكر المسيحي صورة حية عن المحبة التي تبذل نفسها عن الآخرين photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

 ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كنيسة القديس نيقولاوس في الأشرفية، تخللته صلاة الجناز لراحة نفس المتقدم في الكهنة قسطنطين نصار. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا الأحد الرابع من الصوم الكبير المقدس، تضع الكنيسة أمامنا تذكار القديس يوحنا السلمي، الناسك العظيم الذي علم المؤمنين طريق الصعود إلى الله من خلال كتابه الروحي الشهير «السلم إلى الله». اختيار هذا التذكار في زمن الصوم ليس أمرا عرضيا، لأن الصوم في جوهره مسيرة صعود روحي، وانتقال تدريجي من ظلمة الأهواء إلى نور الشركة مع الله".

أضاف: "إنجيل اليوم يلتقي مع خبرة هذا القديس، إذ يحدثنا عن صراع الإنسان مع ضعفه، وعن القوة التي يمنحها الله للمؤمن الصادق. يروي لنا الإنجيل قصة الأب الذي جاء بابنه الممسوس إلى الرب يسوع. كان الإبن يعاني عذابا شديدا، وكان الأب يحمل في قلبه ألما عميقا وعجزا كبيرا. حاول التلاميذ أن يشفوه فلم يقدروا، فجاء الأب إلى المسيح متوسلا: «إن استطعت شيئا فتحنن علينا وأغثنا». أجابه الرب بعبارة تكشف جوهر الحياة الروحية: «إن استطعت أن تؤمن، فكل شيء مستطاع للمؤمن». هنا، صرخ الأب تلك الصرخة التي أصبحت صلاة لكل إنسان مؤمن: «إني أؤمن يا سيد، فأغث عدم إيماني». تختصر هذه الصرخة حالة الإنسان المسيحي في كل زمان. فنحن نؤمن، لكن إيماننا كثيرا ما يكون ضعيفا، ومترددا، ومتعبا بثقل الحياة وتجاربها. نؤمن بالمسيح، لكن مخاوفنا وقلقنا وشكوكنا وطموحاتنا كثيرا ما تتسلل إلى القلب. يعلمنا الأب في الإنجيل أن نأتي إلى الله بصدق، غير مدعين الكمال، بل معترفين بضعفنا. فالإيمان الحقيقي ينبع من وعي محدودية القوة البشرية ومن تواضع القلب الذي يطلب معونة الله.

وتابع: "في كتابه «السلم»، يصف القديس يوحنا السلمي الحياة الروحية كصعود تدريجي نحو الله. الإنسان لا يصل إلى الكمال دفعة واحدة، بل يسير في طريق التوبة والنقاوة والجهاد. يقول القديس يوحنا إن التواضع هو أساس هذا الصعود، لأن المتواضع يعرف ضعفه ويطلب نعمة الله باستمرار. صرخة الأب في الإنجيل مثال حي لما يعلمه السلمي عن أن الإيمان ينمو حين يعترف الإنسان بضعفه ويطلب معونة الرب. التلاميذ لم يستطيعوا أن يخرجوا الشيطان من الصبي. عندما سألوا الرب يسوع عن السبب قال لهم: «هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم». تكشف هذه العبارة معنى الصوم الحقيقي. فالصوم ليس حمية أو مجرد تغيير في نوع الطعام، بل هو جهاد روحي، وصلاة متواصلة، وعودة القلب إلى الله. بالصلاة يتحد الإنسان بالله، وبالصوم يتحرر من عبودية الأهواء، فيصبح القلب أكثر استعدادا لتلقي عمل النعمة،. يشرح القديس يوحنا السلمي هذا الأمر بعمق عندما يتكلم على الجهاد الروحي. فهو يرى أن الصوم الحقيقي ليس امتناعا عن الطعام فقط، بل هو ضبط للحواس، وحفظ للسان، وتنقية للفكر،ومحبة وبذل وعطاء، لأن الإنسان لا يتغير من الخارج فقط، بل من الداخل، في القلب حيث تحسم المعركة الحقيقية ضد الكبرياء والحسد والحقد والكراهية وكل الأهواء القاتلة. لذلك، يقول إن الصوم الذي يقوده التواضع والصلاة يصير سلما ترفع الإنسان نحو الله".

وقال: "من جهة أخرى، تضع الكنيسة أمامنا اليوم كلام الرسول بولس عن وعد الله الأمين لإبراهيم، مؤكدا أن لنا رجاء «كمرساة للنفس أمينة وراسخة». هذا الرجاء هو الذي يثبت المؤمن في زمن التجارب. فالإيمان ليس شعورا عابرا، بل ثقة عميقة بأن الله حاضر ويعمل، حتى عندما يبدو كل شيء مظلما. إنه تأكيد على أن الله لا يهمل خليقته ولو ظن البعض أن الله بعيد أو أنه لا يصغي لطلبات البشر المجربين بشتى الآلام والضيقات. إذا تأملنا في قصة الأب في الإنجيل نجد أن هذا الرجاء كان حيا في قلبه. لقد جاء إلى المسيح لأنه آمن بأن هناك خلاصا ممكنا. ربما كان إيمانه ضعيفا، لكنه كان صادقا. لذلك لم يرفضه الرب، بل استجاب لصلاته وحرر الإبن من عذابه. هكذا، يكشف لنا الإنجيل أن الله لا يطلب منا إيمانا كاملا منذ البداية، بل يريد قلبا متواضعا يسعى إليه بصدق".

أضاف: "لقد عيد عالمنا أمس للأم. هذا التعييد ليس أمرا غريبا عن روح الإنجيل، لأن الأمومة في الفكر المسيحي هي صورة حية عن المحبة التي تبذل نفسها عن الآخرين. الأم تعلم أبناءها منذ الطفولية معنى الثقة والرجاء، وتغرس في قلوبهم بذور الإيمان، بالصلاة والمثال الصالح. كم من إنسان تعلم أولى صلواته من شفتي أمه، وكم من إيمان بقي حيا في القلب بفضل دموع أم صلت لأجل أولادها. وكما حمل ذلك الأب في مثل الإنجيل ابنه المتألم إلى المسيح، كذلك تحمل الأم أولادها في قلبها وصلاتها، وتقدمهم باستمرار إلى الله. لذلك، تدعونا الكنيسة أن نكرم الأم ونشكرها، وأن نرى في محبتها انعكاسا للمحبة التي يفيض بها الله على العالم. تكريم الأم تتوجه الكنيسة في تكريمها والدة الإله التي نعيد لبشارتها بعد أيام. فهذه البتول الفائقة النقاوة كانت الإناء الذي احتوى خالق الكون. وهي التي بقولها «ها أنذا أمة للرب، ليكن لي كقولك»، قبلت بملء إرادتها أن تنصاع لمشيئة الله وأن تكون والدة للإله، وساهمت في إتمام التدبير الإلهي الذي اقتضى أن يتجسد ابن الله من أجل خلاص البشر. لذلك نكرم والدة الإله التي كانت الأداة لتحقيق الخلاص، وهي المثال لكل أم، ولكل من يريد أن يحوي الإله في داخله. كلام الإنجيل والرسالة اليوم موجه إلينا جميعا. فكثيرا ما يشعر الإنسان المعاصر بأنه مثقل بالمشاكل والضغوط والهموم، وقد يظن أحيانا أن الإيمان لا يكفي لمواجهة كل هذه الصعوبات. لكن الإنجيل يذكرنا بأن القوة الحقيقية ليست في قدرتنا نحن، بل في نعمة الله التي تعمل في الذين يثقون به".

وختم: "إن الصوم الذي نعيشه هو فرصة لنعود إلى هذا الإيمان الحي، فرصة لنرفع صلاتنا مع ذلك الأب صارخين: «أؤمن يا سيد، فأغث عدم إيماني»، فرصة لنصعد، كما يعلمنا القديس يوحنا السلمي، درجة بعد درجة في طريق التوبة والتواضع والمحبة. فالحياة المسيحية ليست حالة ثابتة، بل مسيرة مستمرة نحو الله. لنطلب إذا في هذا الزمن المقدس أن يقوي الرب إيماننا، وأن يجعل صومنا صلاة حية، وجهادنا طريقا مستمرا نحو النقاوة. ولنتمسك بالرجاء الثابت الذي يقودنا إلى حضور الله في حياتنا. عندئذ يصبح الصوم سلما حقيقية نصعد بها من الأرض إلى السماء، ومن ضعف الإنسان إلى قوة نعمة الله". 

 

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك