لم يترك "
حزب الله" وجميع الذين يؤيدونه، سياسيًا وميدانيًا، تاريخ 17 أيار يمرّ مرور الكرام، فكان لهم أكثر من مقاربة ومقارنة بين 17 أيار 1983 و17 أيار 2026، حيث بلغت موجة التصعيد اللفظي ضد السلطة
اللبنانية ذروتها من خلال البيان الصادر عن "الحزب"، والذي دعاها فيه إلى "عدم الذهاب بعيدًا في خيارات منحرفة مع العدو، لما للموضوع من تداعيات خطيرة على الاستقرار في
لبنان دولة ومجتمعًا. كما دعا إلى "وقف مسلسل التنازلات المجانية"، مؤكداً أنّ "
الاحتلال لن يستقر فوق الأراضي اللبناني بوجود
المقاومة". وحذّر من محاولات لإعادة إنتاج ما هو أخطر من "اتفاق الذل والعار" في 17 أيار، من خلال حديث السلطة اللبنانية عن اتفاق سلام «كامل وشامل» مع العدو
الإسرائيلي، مؤكداً في الوقت نفسه أن "فجر التحرير والحرية والاستقلال الكامل سيبزغ، طال الزمان أم قصر".
ومع هذا البيان الشديد اللهجة يمكن القول إن ملف العلاقة مع
إسرائيل عاد إلى واجهة الانقسام الداخلي اللبناني، بعدما وجّه "حزب الله" رسائل سياسية واضحة إلى السلطة اللبنانية، داعيًا إياها إلى "مغادرة أوهام اتفاق السلام مع العدو"، في موقف يعكس حجم التباعد القائم بين منطق الدولة الساعي إلى التهدئة والانفتاح على الحلول الديبلوماسية، وبين منطق المقاومة الذي يرى أنّ الصراع مع إسرائيل ما زال مفتوحًا ولم تتوافر بعد أي ظروف حقيقية لتسوية نهائية.
ويأتي هذا الموقف في توقيت شديد الحساسية، مع استمرار المفاوضات اللبنانية –
الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، والحديث المتزايد عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب، وسط ضغوط دولية لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. لذلك، فإنّ كلام "حزب الله" لا يمكن فصله عن محاولة واضحة لرسم سقف سياسي مسبق لأي تفاوض قائم، والتأكيد أنّ أي مقاربة لبنانية يجب ألا تنطلق من فرضية التحول نحو مسار سلام أو تطبيع.
في المقابل، تبدو
الدولة اللبنانية أمام معادلة معقدة للغاية. فهي تدرك حجم الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يضغط على البلاد، كما تدرك أنّ أي انفجار واسع جديد ستكون كلفته كارثية على لبنان ومؤسساته. ومن هنا يأتي تركيزها على تثبيت التهدئة، وإعطاء الأولوية للمسار الديبلوماسي، والعمل مع الوسطاء الدوليين لتجنيب البلاد حربًا مفتوحة.
لكنّ الإشكالية الأساسية تكمن في اختلاف تعريف "الحل" بين الأطراف اللبنانية نفسها. فبينما ترى قوى سياسية أنّ المصلحة اللبنانية تقتضي إعادة تثبيت سلطة الدولة واحتكار قرار الحرب والسلم والسير في تسويات تحفظ الاستقرار، يعتبر "حزب الله" أنّ إسرائيل لا تزال تمثل تهديدًا وجوديًا، وأنّ أي حديث عن سلام قبل معالجة جوهر الصراع الإقليمي سيبقى مجرّد "وهم سياسي".
وفي خلفية هذا السجال، يبرز القلق من أن يتحول لبنان مرة جديدة إلى ساحة تجاذب بين مشاريع متناقضة: مشروع يسعى إلى تخفيف التوتر والانفتاح على تسويات دولية، وآخر يربط مستقبل المواجهة بحسابات المحور الإقليمي وتوازنات الردع مع إسرائيل.
أما الأخطر، فهو أنّ هذا الانقسام الداخلي يتزامن مع تصعيد ميداني مستمر في الجنوب، ما يجعل أي تباين سياسي أكثر حساسية وخطورة، إذ إنّ غياب رؤية لبنانية موحدة تجاه المرحلة المقبلة قد يضعف موقع الدولة التفاوضي، ويجعل لبنان أكثر عرضة للضغوط الخارجية وللاهتزازات الأمنية في آن واحد.
وعليه، يبدو أنّ المرحلة المقبلة لن تقتصر على اختبار التهدئة الميدانية فقط، بل ستشكّل أيضًا اختبارًا عميقًا لهوية الخيار اللبناني نفسه بين منطق الدولة الديبلوماسية، ومنطق المواجهة المفتوحة، في منطقة لا تزال تعيش على إيقاع الحروب المؤجلة والتسويات غير المكتملة.
بالتوازي فإن بيان "حزب الله" لاقى موجة استنكار واسعة، خصوصًا من قِبل منتقدي سياسة "حارة حريك"، الذين رأوا أنه لا يحق لحزب أخذ البلد إلى مغامرتي اسناد، مرّة لغزة الجريحة، وثانية ثأرًا لمقتل الخامنئي، محاسبة الدولة ومساءلتها بشأن قرارتها وخطواتها، خصوصًا أنه لولا حربي الاسناد ونتائجهما لما اضطرّت السلطة للذهاب نحو التفاوض مع إسرائيل، وبالتالي يمكن طرح سؤال بديهي عمّا حققه "حزب الله" في حربي الإسناد، وهل وصل إلى أهدافه المرجوة؟
وفي الاعتقاد السائد أن "الحزب" قد ورّط لبنان بحربين متتاليتين، من أجل إسناد حلفائه، فكانت النتيجة المزيد من الضحايا والدمار والتهجير، لذا فالأحرى به أن يراجع خطواته، ويدرك أن القرار بحصر السلاح، وبسط سيطرة
الدولة على كامل أراضيها، قد اتخذ، وأن ولا عودة إلى الوراء في هذا المجال.