من الواضح أن خطوة المقاطعة لجلسة الحكومة التي قام بها" الثنائي الشيعي" امس لم تكن تفصيلاً عابراً في الحياة السياسية، بل حملت في طياتها رسالة مباشرة إلى الحكومة ورئيسها، وكذلك إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون.
فالمشهد بدا وكأنه محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة داخل السلطة التنفيذية، وتحديد سقف جديد للتعاطي مع الملفات الحساسة في ظل ظروف الحرب والضغط المتصاعد.
الرسالة الأساسية التي أراد الثنائي إيصالها يمكن قراءتها على أنها تحذير سياسي واضح، مفاده أن مرحلة الصبر
الطويل في الداخل بدأت تقترب من نهايتها، بالتوازي مع انتهاء مرحلة الصبر العسكري في مواجهة
إسرائيل.
هذا الربط بين المسارين السياسي والعسكري لم يكن صدفة، بل يعكس قناعة داخل الثنائي بأن أي تجاهل لمطالبه أو تجاوز لموقعه في المعادلة الداخلية قد يفتح الباب أمام تصعيد سياسي لا يقل حساسية عن التصعيد الميداني.
ومع ذلك، فإن المقاطعة لم تصل إلى حد القطيعة الكاملة مع رئيس الجمهورية. فقد حرص "الثنائي" على إبقاء خيط التواصل قائماً، وظهر ذلك من خلال عدم ممارسة ضغوط قصوى على الوزير فادي مكي لعدم حضور جلسة
مجلس الوزراء. هذه الخطوة لم تكن تفصيلاً تقنياً، بل جاءت ضمن حسابات دقيقة تهدف إلى الحفاظ على تماسك الحكومة وعدم دفعها نحو الانفراط في لحظة شديدة الحساسية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وما تحمله من مخاطر داخلية وخارجية.
وجود وزير شيعي داخل الجلسة، ولو ضمن ضوابط محددة، يعكس رغبة واضحة في توجيه رسالة مزدوجة: من جهة تأكيد الاعتراض والاحتجاج السياسي، ومن جهة أخرى عدم الذهاب إلى خطوات قصوى قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة أو شل عملها بالكامل.
ف"الثنائي" يدرك أن انهيار الحكومة في هذا التوقيت قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي يزيد من هشاشة الوضع الداخلي، ويعقّد قدرة
الدولة على إدارة تداعيات الحرب.
في الوقت نفسه، يبدو أن "الثنائي"يفضل التريث قبل اتخاذ قرارات أكثر حدة، بانتظار وضوح صورة الميدان أولاً، ومعرفة اتجاه الحرب
الإيرانية – الأميركية ثانياً. فمسار هذه المواجهة الكبرى سيحدد إلى حد بعيد طبيعة الخيارات المتاحة في الداخل اللبناني، سواء ذهبت الأمور نحو تسوية واتفاق يخفف منسوب التوتر، أو نحو تصعيد واسع يفرض معادلات جديدة على الجميع.
يمكن القول إن المقاطعة لم تكن نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة من الضغط السياسي المنظم، حيث يحاول "الثنائي الشيعي" تثبيت موقعه في المعادلة الداخلية، من دون التسرع في اتخاذ خطوات قد يصعب التراجع عنها لاحقاً.
وفي ظل ضبابية المشهد الإقليمي، يبقى الانتظار المدروس هو الخيار الأكثر حضوراً، إلى أن تتضح الاتجاهات الكبرى للحرب وتداعياتها على
لبنان.