في أقل من سنة اتخذت السلطة ثلاثة قرارات وُصفت كلها بأنها "سيادية بامتياز"، أو لنقل إنها وضعت عربة استعادة زمام المبادرة خلف الأحصنة الشاردة، وليس العكس كما كان يحصل منذ أربعين سنة حتى الأمس القريب، حيث كانت القرارات المركزية مصادرة إمّا من سلطة الوصاية
السورية، أو من قوى الأمر الواقع، التي حاولت "قضم" ما تبقّى من إرادة لدى أركان السلطة، الذين وجدوا أنفسهم، وبغفلة من الزمن، مكبّلي الأيدي.
وعلى رغم أهمية هذه القرارات الثلاثة، بدءًا بـ "حصرية السلاح" بيد القوى الشرعية دون سواها من قوى الأمر الواقع، مرورًا بحظر العمل الأمني والعسكري لـ "
حزب الله"، وصولًا إلى الطلب من السفير
الإيراني الجديد محمد رضا شيباني، الذي لم يكن قد اعتمد رسميًا، بمغادرة
لبنان، باعتباره "شخصًا غير مرغوب به"، فإن العبرة تبقى بالتنفيذ.
وقد أثبتت التجارب على مدى سنوات طويلة أن المشكلة الأساسية في لبنان، لا تكمن فقط في اتخاذ القرار، بل في القدرة على تنفيذه. وهنا بيت القصيد. فكم من قرارات اتُّخذت في مجالس الوزراء، وكم من بيانات وزارية كُتبت بعناية، وكم من تعهدات قُطعت أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، إلاّ أن معظم هذه الديباجات بقي حبرًا على ورق، لأن القرار في لبنان لا يكفي أن يُتخذ، بل يجب أن يمرّ أولًا عبر ميزان التوازنات الداخلية والخارجية والطائفية والسياسية، وعندها إمّا أن يُنفَّذ ناقصًا، أو يُجمَّد، أو يُنسى مع مرور الوقت.
والأمثلة على هذا الواقع كثيرة. وإذا أراد المرء الغوص في تفاصيلها فهو يحتاج إلى مجلدات.
من هنا يمكن طرح السؤال الأساسي: هل لبنان دولة قرار، أم دولة توازنات؟
في الدول الطبيعية، تتخذ السلطة القرار وتنفذه، ومن يعترض يذهب إلى
المعارضة أو إلى
القضاء أو إلى الانتخابات. أما في لبنان، فالقرار يحتاج إلى موافقة الجميع أو على الأقل إلى عدم اعتراض أحد، وإلا يتحول إلى أزمة وطنية، وربما إلى أزمة طائفية أو دستورية أو حكومية. وهذا ما تمّ التوافق على تسميته "
الديمقراطية التوافقية"، أي بمعنى آخر "مودرة القرارات". وهذا الأمر يخرج عن طبيعة أي ديمقراطية المعتمدة في دول العالم المتحضّر، والذي يقوم الحكم فيه على أكثرية تحكم وأقلية تعارض.
وفي غياب الديمقراطية الحقيقية تتحول الدولة تدريجيًا من دولة تحكم إلى دولة تدير التوازنات، ومن دولة قرار إلى دولة تسويات، ومن دولة مؤسسات إلى دولة تفاهمات، ومن دولة قانون إلى دولة أعراف. فلا يعود السؤال يدور حول ما إذا كان القرار صحيحًا، بل يصبح: هل التوازن يسمح بهذا القرار؟ وبهذه العقلية أديرت البلاد بعد "اتفاق الدوحة"، الذي جاء نتيجة 7 أيار"، وهو أسوأ اتفاق تمّ بتوافق داخلي هشّ، وبتواطؤ خارجي واضح.
فالمشكلة الحقيقية في لبنان هي أن هذا الواقع لم يقتصر على الملفات الخلافية الكبرى، بل شمل كل شيء تقريبًا بدءًا بملف التعيينات إلى السياسة الخارجية، والسلاح، الحرب والسلم، والعلاقات مع الدول، والإصلاحات الاقتصادية، وحتى بعض القرارات الإدارية. كل شيء في لبنان بات بعد 7 أيار وما تلاه يخضع لحسابات التوازن، لا لحسابات الدولة.
وقد يكون الأخطر في هذا الواقع أن اللبنانيين أنفسهم انقسموا حول مفهوم الدولة. فهناك من يريد دولة قوية تحتكر القرار والسلاح والعلاقات الخارجية، وهناك من يخاف من الدولة القوية ويفضّل بقاء التوازنات التي تحمي كل فريق من الآخر.
وبين هذين المفهومين، بقيت الدولة ضعيفة، وبقيت الطوائف قوية، وبقيت الأحزاب والطوائف أقوى من المؤسسات.
وهنا تكمن المفارقة
اللبنانية الكبرى. فالجميع يطالب بالدولة، لكن عندما تبدأ الدولة باتخاذ قرار لا يعجب هذا الفريق أو ذاك، تبدأ الاعتراضات والضغوط والتهديد بالشارع أو بالسياسة أو بالطائفة، فيتراجع القرار أو يُفرغ من مضمونه. وهكذا يريد الجميع دولة على قياسه، لا دولة على قياس الوطن.
لبنان اليوم لا يعاني فقط من أزمة أمنية – عسكرية، أو أزمة اقتصادية، أو مالية، أو سياسية، بل يعاني من أزمة مفهوم الدولة نفسها. فهل يريد اللبنانيون دولة فعلًا، أم يريدون مجموعة توازنات، وهل يريدون مؤسسات تحكم، أم زعماء يتفاهمون؟ وهل يريدون قانونًا واحدًا يطبّق على الجميع من دون تمييز، أم يريدون تسويات متعددة لم تؤدِ، ولن تؤدي إلى أي نتيجة؟
هذه الأسئلة لم يُجب عنها اللبنانيون منذ الاستقلال حتى اليوم، وكلما تأجل الجواب، سيبقى لبنان يعيش في المنطقة الرمادية بين الدولة واللادولة، بين القرار والتوازن، بين المؤسسات والتسويات.
وفي رأي الغيارى على ما تبقّى من هذا البلد المشلع والمخلع أن لبنان لن يخرج من أزماته عندما يغيّر حكومة أو ينتخب رئيسًا أو يوقّع اتفاقًا ماليًا فقط،
بل يخرج من أزماته يوم يقرر اللبنانيون أمرًا واحدًا، وهو بكل بساطة ووضوح:
هل يريدون دولة تحكم، أم توازنات تحكم الدولة؟ لأن الفرق كبير بين دولة قوية فيها توازنات، ودولة ضعيفة يحكمها التوازن.