تتّجه الأنظار إلى إسلام آباد، حيث تستعدّ باكستان لاحتضان مفاوضات مباشرة بين
الولايات المتحدة وإيران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتقدم فيها
لبنان إلى واجهة المشهد بوصفه بنداً محورياً لا يمكن تجاوزه. فاشتراط طهران وقف الحرب
الإسرائيلية على لبنان للمشاركة في الاجتماع الأول لا يعبّر فقط عن موقف تفاوضي، بل يعكس محاولة واضحة لربط المسارات الإقليمية ببعضها البعض، وفرض معادلة جديدة عنوانها شمولية التهدئة أو استمرار التصعيد.
في المقابل، يجد لبنان نفسه أمام واقع معقّد، إذ يفتح باب التفاوض تحت ضغط النار، مستنداً إلى المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قبل أسابيع، في وقت لم تكن فيه المؤشرات الدولية توحي بإمكانية تحقيق اختراق. يومها، رفضت
إسرائيل التفاوض ولم تعط المبادرة
الفرنسية اي اهتمام من إسرائيل او حتى من الولايات المتحدة التي كانت منشغلة في حربها مع
ايران، فيما كانت المواجهات مع
حزب الله تتصاعد بوتيرة متسارعة.
غير أن تبدل المشهد الإقليمي، مع دخول
إيران المباشر على خطّ الاشتراطات، دفع الدولة
اللبنانية إلى إعادة التموضع سريعاً، مؤكدة أنّ لا أحد يفاوض نيابةً عنها، ومكثّفة اتصالاتها العربية والدولية لضمان إدراج لبنان ضمن أي اتفاق محتمل. وقد شملت هذه الاتصالات باكستان، بوصفها الدولة المضيفة والراعية للمسار التفاوضي، في محاولة واضحة لتثبيت الحضور الرسمي دون سواه في قلب التفاهمات، لا على هامشها.
وفي موازاة ذلك، برز تطور نوعي تمثّل بإعلان رئاسة الجمهورية عن اتصال ثلاثي في
واشنطن، جمع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين، في خطوة غير مسبوقة تندرج ضمن تنفيذ المبادرة الرئاسية. هذا الاتصال، الذي أتى بوساطة أميركية مباشرة، مهّد للاتفاق على عقد اجتماع يوم الثلاثاء في
وزارة الخارجية الأميركية لبحث إعلان وقف إطلاق النار، ووضع إطار زمني لانطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
إلا أن هذا المسار، على أهميته، يصطدم بموقف إسرائيلي ملتبس، إذ وافقت تل أبيب على حضور الاجتماع، لكنّها رفضت مسبقاً إدراج مسألة وقف إطلاق النار مع حزب الله على جدول الأعمال، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول جدوى التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية، ويعيد طرح السؤال الأساسي: هل يمكن فعلاً التفاوض على السلام فيما الحرب مستمرة؟ حيث أعلن السفير
الإسرائيلي مساء امس أن إسرائيل وافقت على اجتماع الثلثاء للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان، لكنها لم توافق على مناقشة وقف النار مع حزب الله، علما ان القناة 12 الإسرائيليّة افادت نقلًا عن مصادر، بأنّ "الرئيس الأميركي
دونالد ترامب يضغط على نتنياهو للإعلان عن وقف إطلاق نار في لبنان يوم الثّلاثاء المقبل".
من هنا، يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتجاوز حدود التفاوض التقني، لتلامس جوهر الصراع على السردية السياسية. فالدولة ، التي سعت إلى تقديم نفسها كطرف بادر إلى فتح باب الحلول، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً في قدرتها على ترجمة هذا الدور إلى إنجاز فعلي لوقف اطلاق النار، في ظل تنافس إقليمي واضح على من يملك ورقة إنهاء الحرب أو التحكم بإيقاعها.
وفي هذا السياق، تبدو إيران لاعباً أساسياً يسعى إلى تثبيت معادلة الربط بين الساحات، بحيث يتحوّل أي تقدّم في ملف التهدئة إلى انعكاس مباشر لنفوذها الإقليمي الأمر الذي قد يمنح حلفاءها، وفي مقدمتهم حزب الله، موقعاً تفاوضياً أقوى داخلياً خاصة وأنها تضع ملف وقف إطلاق النار في لبنان في صلب مفاوضاتها، في المقابل، فإن انخراط الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو في هذا المسار قد يُقرأ كمحاولة لإعادة صياغة التوازنات، والحدّ من قدرة طهران على توظيف الساحة اللبنانية في مفاوضاتها الأوسع مع واشنطن.
أمام هذا التشابك، تبدو الساعات المقبلة حاسمة على أكثر من مستوى. فنجاح المسار التفاوضي لن يُقاس فقط بإمكانية الوصول إلى وقف إطلاق نار، بل أيضاً بقدرة كل طرف على فرض اوراقه، وتكريس نفسه كصاحب الدور الحاسم في إنتاج التسوية. وفي لحظة كهذه، حيث تتقاطع السياسة بالميدان، والإقليم بالداخل، يصبح أي خطأ في التقدير أو التوقيت كفيلاً بتحويل الفرص إلى انتكاسات، وبتعميق مأزق الدولة بدل الخروج منه.