شهدت
الجبهة الجنوبية أمس، تصعيداً لافتاً في وتيرة المواجهات بين العدو الاسرائيلي وحزب الله وسط محاولات إسرائيلية لفرض واقع ميداني داخل الأراضي
اللبنانية عبر توغلات أو تموضع متقدم في بعض النقاط الحدودية.
وتبرز منطقة بنت جبيل كواحدة من أبرز نقاط الاشتباك. إذ استهدف
حزب الله بشكل متكرر تجمعات جنود إسرائيليين شرقي المدينة، في أكثر من توقيت في أثناء اليوم. هذا التكرار يوحي بأن المنطقة تشهد محاولات تموضع أو حشد قوات، ما يجعلها محوراً حساساً في المعركة البرية. وفي المقابل، يعكس نمط الاستهداف تركيزاً على منع تثبيت أي وجود دائم، عبر ضرب التجمعات قبل أن تتحول إلى مواقع مستقرة.
وكتبت" الاخبار": تحمل بنت جبيل، بما لها من رمزية ومعطيات جغرافية، أهمية مضاعفة، إذ يشكل أي اختراق أو تثبيت فيها عاملاً مؤثراً في توازنات الجبهة الجنوبية ككل. لذا، تبدو المواجهة فيها أقرب إلى معركة استنزاف تهدف إلى تعطيل تقدم العدو بدل الاكتفاء بالتصدي له. فالعدو الذي يحاول محو عار خطاب «بيت العنكبوت» في بنت جبيل عام 2000، وتأمين مرتفع حاكم، اصطدم بإدارة
المقاومة للمعركة، إذ طبقت تكتيك «الجيب القاتل»، عبر سماحها (على مدى الأيام الماضية) للقوات المعادية بالتقدم وتطويق أطراف المدينة، وبدلاً من الدفاع الخطي، تغلغل المقاتلون في الأزقة ونفذوا اشتباكات تلاحمية (وجهاً لوجه).
هذا التكتيك أبطل تفوق سلاح الجو
الإسرائيلي، ووضع دروع العدو تحت رحمة المحلقات الانقضاضية (FPV) وقذائف التاندوم والـB29 والكورنيت. فتعرضت قوات جفعاتي لخسائر وهي تجتاز الأمتار الـ200 الأولى داخل حيز الدفاع الذي خطته المقاومة شمال شرقي بنت جبيل، ولم تستطع اختراق السوق أو الاقتراب من الملعب. وفشل لواء المظليين في تأمين مدخل المدينة
الشمالي، إذ لم يستطع التقدم سوى عشرات الأمتار باتجاه منطقة العويني. أما اللواء 401 المدرع، فتعرضت كتيبتاه الـ9 والـ52 إلى ضربات. وحتى أمس، بلغ عدد من خسرهم العدو 158 بين قتيل وجريح، ما يمثل فضيحة عملياتية كبرى لجيش العدو الإسرائيلي.
في هذا الإطار، يبدو أن المقاومة تسعى إلى استثمار الوقت في تعقيد المشهد الميداني، ومنع العدو من ترجمة أي تقدم عسكري إلى إنجاز سياسي قابل للتثبيت. فكلما طال أمد المواجهة من دون حسم، ومع استمرار الضغط على الجبهة الداخلية
الإسرائيلية، تتآكل إمكانية تحويل المكاسب الميدانية إلى أوراق تفاوضية حاسمة. في المقابل، تشير طبيعة أهداف المقاومة إلى محاولة «رفع السقف» بشكل تدريجي، دون الذهاب إلى أقصى مستويات التصعيد دفعة واحدة، ما يترك هامشاً للمناورة السياسية، ويعكس إدارة محسوبة للتصعيد.
في المجمل، تكشف المعطيات عن معركة تُدار على أربعة مستويات متزامنة وهي تعطيل التقدم البري ومنع تثبيته، واستهداف منظومات الإسناد الناري والقيادي، والضغط على العمق الاستيطاني والبنية التحتية، وتحدي التفوق الجوي والاستطلاعي المعادي.
وهو ما يجعل من هذه الجولة مواجهة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع السياسية، في ظل سعي كل طرف إلى تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة. فالمواجهة وما يتخللها من عمليات وعمليات مضادة لا تعكس مجرد تصعيد ميداني، بل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، بحيث يصبح أي تغيير في الجغرافيا العسكرية مرتبطاً مباشرة بتغيّر موازٍ في معادلة الأمن والاستقرار على الجانبين.