تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بين فرصة وقف النار ومناورة نتنياهو.. هل التفاوض جدي أم مجرد غطاء لمواصلة الحرب؟

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
16-04-2026 | 07:00
A-
A+
بين فرصة وقف النار ومناورة نتنياهو.. هل التفاوض جدي أم مجرد غطاء لمواصلة الحرب؟
بين فرصة وقف النار ومناورة نتنياهو.. هل التفاوض جدي أم مجرد غطاء لمواصلة الحرب؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
حين انعقدت أولى جولات المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن قبل يومين، بدا المشهد للوهلة الأولى كأنه اختراقٌ كبيرٌ في جدار القطيعة الممتد منذ عقود. فاللقاء الذي رعته واشنطن وشاركت فيه شخصياتٌ دبلوماسيةٌ من الطرفين قُدِّم أميركيًّا بوصفه فرصةً تاريخيةً، لكن من دون الإيحاء بأنّ انفراجًا وشيكًا بات في المتناول، وهو ما بدا كافيًا للقول إنّ ما فُتح ليس باب تسوية كاملة، بل نافذة اختبار سياسي.
 
لكن بعد أقل من 24 ساعة، بدا واضحًا أنّ التفاوض لا يجري في مناخ تهدئةٍ حقيقيةٍ، بل تحت سقف نارٍ مفتوحةٍ. فعلى الرغم من الحديث عن وقف محتمل لإطلاق النار في لبنان، وبروز تقارير عن اجتماع للكابينت الإسرائيلي لبحث هذا الاحتمال بضغط من واشنطن، أظهرت المعطيات الميدانية غياب أي جدول زمني واضح لوقف القتال. لذلك بدا الحديث عن "اتفاق قريب" سابقًا لأوانه ومحفوفًا بالمخاطر السياسية
 
المفارقة الأكبر أنّ نتنياهو نفسه اختار، في التوقيت ذاته تقريبًا، أن يبعث برسائل معاكسةً تمامًا لمناخ التهدئة، معلنًا استمرار الضربات وتوسيع العمليات في الجنوب. هنا تظهر العقدة الأساسية التي تواجه المفاوض اللبناني: هل نحن أمام مفاوضاتٍ تهدف إلى خفض التصعيد، أم أمام حربٍ تُستخدم فيها الطاولة كأداةٍ لتحسين الشروط؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب غوصًا في ثنايا الموقفين الأميركي والإسرائيلي وتضارب الأهداف بينهما.
 
"الفرصة" القائمة والضغوط الأميركية
 
في المبدأ، لا يمكن إنكار أنّ مجرد انعقاد لقاءٍ مباشرٍ للمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عامًا يحمل دلالةً سياسيةً كبيرةً لا يمكن تجاهلها. فهو يعني أنّ واشنطن نجحت في جمع الطرفين حول طاولةٍ واحدةٍ، وأنّ ثمة اقتناعًا أميركيًا بأنّ الجبهة اللبنانية لا يمكن أن تبقى مفتوحةً إلى ما لا نهاية. ويعزّز هذه القناعة سعي إدارة الرئيس دونالد ترامب لتثبيت تهدئةٍ أوسع في الإقليم، وهو ما يهدف من ورائه إلى منع انفجار المنطقة على نحو من شأنه أن يربك هذا المسار.
 
وبهذا المعنى، يكتسب الضغط الأميركي على إسرائيل لتقليص هجماتها اهتمامًا مضاعفًا، إذ يفسَّر بوصفه محاولةً جادةً لتوفير "بيئةٍ تفاوضيةٍ" تمنع انهيار المسار الدبلوماسي قبل ولادته. وبحسب المعطيات، فإنّ البيت الأبيض يرى في انتهاء الأعمال القتالية في لبنان مصلحةً استراتيجيةً تتقاطع مع ملفاتٍ إقليميةٍ أعقد، مرتبطة أيضًا بالتهدئة مع إيران، ما يجعل الدور الأميركي في هذه المرحلة محركًا أساسيًّا للعملية، وإن كان لا يزال يفتقر إلى أدوات الإلزام المباشرة للجانب الإسرائيلي.
 
ومع ذلك، فإنّ "الفرصة" تظل محاصرةً بضيق الوقت طالما أنّ المفاوضات لم تنضح بعد، فاللقاء الأول انتهى من دون وقف للنار، ومن دون اختراق سياسي ملموس، فيما بقيت الأولويات متباعدة: لبنان يريد تهدئة ووقفًا للأعمال العدائية وانسحابًا إسرائيليًا، بينما تضع إسرائيل نزع سلاح "حزب الله" في صلب المسار. هنا تصبح "الفرصة" قائمة من حيث الشكل، لكنها محدودة من حيث المضمون، وتتحول مفاوضات واشنطن إلى مجرد جولةٍ استطلاعيةٍ بالذخيرة السياسية الحية.
 
"المناورة" الإسرائيلية والتفاوض تحت النار
 
في الموازاة، تبدو "مناورة" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد العام، كونه لا يفاوض من موقع الباحث عن تبريدٍ سريعٍ للاشتعال. فبينما يقدَّم المسار خارجيًّا كنافذة تهدئةٍ، يواصل نتنياهو استثمار التفاوض كغطاءٍ للاستمرار في الضغط العسكري. ولعل إعلان استمرار الضربات وتعزيز "المنطقة الأمنية" في الجنوب يعكس في هذا السياق رغبةً إسرائيليةً في انتزاع "استسلامٍ سياسيٍّ" عجز الجيش عن تحقيقه بشكلٍ ناجزٍ في الميدان حتى الآن.
 
وفي السياق نفسه، يُفهَم إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي تحويل المنطقة حتى نهر الليطاني إلى ما يشبه "منطقة محظورة" على عناصر "حزب الله"، على الرغم من أنّه ينسف جوهر التفاوض السياسي القائم على السيادة. فالجمع بين الحديث عن "اتفاقٍ قريبٍ" وبين السعي لتفكيك البنية التحتية للخصم ميدانيًّا، وهو في هذه الحالة "حزب الله"، يجعل المسار أقرب إلى عملية "ابتزازٍ دبلوماسيٍّ".
 
بمعنى آخر، يريد نتنياهو أن يحصل فوق الطاولة على ما فشل في انتزاعه بالكامل عبر التوغل البري، وهو ما يضع الدولة اللبنانية في موقفٍ صعبٍ. وهنا ثمّة من يرى أنّ القراءة الإسرائيلية للمسار قد تكون مجرد وسيلةٍ لشراء الوقت وإظهار "حسن النية" أمام إدارة ترامب، من دون تقديم تنازلاتٍ حقيقيةٍ لوقف الحرب. فالوقائع الميدانية المتفجرة تُضعف أي تفاؤلٍ سريعٍ، وتؤكد أنّ إسرائيل تصرّ حتى الآن على التفاوض من داخل الحرب لا للخروج منها.
 
في الخلاصة، لا يمكن القول إنّ مفاوضات واشنطن وهمٌ كاملٌ، لأنّها فتحت قناة اتصالٍ غير مسبوقةٍ، لكنها في الوقت ذاته لا تمثل "براءة ذمةٍ" لنتنياهو الذي يحاول تسييس الميدان وتأميم النتائج لصالحه. ويبقى الثابت أنّ قيمة كلّ هذا المسار تبقى رهينة مدى قدرة لبنان على إعادة مركز الثقل إلى أولويته الأصلية: وقف العدوان أولاً. وما لم يتقدّم وقف النار على أهداف الحرب، سيبقى التفاوض مجرد مناورةٍ مدروسةٍ لتحسين شروط الميدان تحت ستار الدبلوماسية الدولية.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa