ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر
مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:
"عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الله سبحانه وتعالى عندما قال: وتعاونوا على البر والتقوىٰ فهو أراد لنا أن نبقي التعاون بيننا في مواجهة الظروف والتحديات بأن نعين بعضنا بعضا ونشد بعضنا بعضا ونخفف من هموم بعضنا بعضا، أن نكون كما دعانا رسول الله (ص): "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وأن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. والله وعد أنه في عون عبده المؤمن ما كان في عون أخيه ومتى حرصنا على ذلك سنكون أقوى وأقدر على مواجهة التحديات وما أشدها".
وقال :"نلتقي اليوم أيها الأحبة بعد عدوان استمر لأكثر من أربعين يوما ولم تنته تداعياته عانينا منه ولا نزال نعاني من تهجير وتدمير لعشرات الآلاف من المباني والبنى التحتية، والذي مع الأسف يستمر في قرى الشريط الحدودي، وفقدنا خلالها أعزاء وأحبة، نفتقد اليوم حضورهم تاركين فينا ألما وحسرة وإحساسا بالمسؤولية في أن نحفظ آمالهم وطموحاتهم وأحلامهم في وطن كان كل همهم أن يكون عزيزا حرا كريما لا يخضع لطامع ولا غاز ولا محتل".
أضاف :"إننا أمام كل هذه الجراحات النازفة والتي لا زلنا نخشى أن تستمر في ظل هدنة هشة لا يزال العدو يملك حرية العدوان خلالها، ونحن هنا لا خيار لنا إلا أن نصبر... لا خيار إلا أن نثبت على القيمة التي أمنا وسنبقى تؤمن بنا...ولا خيار لنا فيها إلا أن نكون أعزاء أحرارا كرماء في هذا الوطن الذي تجذرنا فيه، والذي لم نفكر يوما أن يكون لنا وحدنا بل مع كل من يعيش معنا فيه. وأن نكون أوفياء لكل الدماء الطاهرة والجراحات النازفة من
الشهداء الذين ارتقوا حماية للوطن، ولهذا الشعب الصابر الذي يتحمل ألم التهجير والنزوح، في الوقت الذي نطالب فيه الدولة المعنية بكل مواطنيها لا سيما من يعانون أن تتحمل المسؤولية تجاههم وهم الذين من حقهم عليها أن لا تفرط أو تتنازل عما أؤتمنت عليه من حياة الناس وأرزاقهم وممتلكاتهم وعزتهم وكرامتهم، وتجاه كل حبة تراب في هذا الوطن".
وتابع :" إننا نعي حجم الضغوط التي تمارس على هذا الوطن بفعل القوة التي يمتلكها العدو والدعم الذي يحظى به، ولكننا نعيد التأكيد على أن كل ذلك لا يدعو الدولة إلى التسليم له والخضوع لإملاءات تمس أرضه وإنسانه بقدر ما يدعوها إلى بذل جهودها من أجل استجماع كل عناصر القوة الداخلية التي يقر العدو هو بجدواها وتأثيرها والخارجية ممن لا يزالون يقفون مع
هذا البلد ويريدون الخير له ودعمه وذلك للوصول إلى ما ندعو إليه من إيقاف العدوان والانسحاب من الأراضي التي احتلها واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار وتحرير كامل تراب الوطن بدون شروط مذلة تملى عليها. بعد أن أكدت كل التجارب السابقة أن العدو لن يهبها للبنانيين بالمجان بل هي تحصل نتيجة جهودهم وعملهم الدؤوب وتضحياتهم".
واستطرد فضل الله :"في الوقت الذي نريد فيه للبنانيين أن يوحدوا جهودهم وأن يخرجوا من انقسامهم الذي يستفيد منه العدو ويراهن عليه وأن يدرسوا سبل الخروج مما سيعانون جميعا منه إذا استمر لأن نتائجه لن تكون على حساب طائفة أو موقع سياسي بل على كل الوطن وعلى مستقبله وحرية قراره وإنسانه".
ونبقى على الصعيد الداخلي لننوه بالاحتضان الذي حصل من اللبنانيين جميعا بكل طوائفهم ومذاهبهم ولا يزال للذين اضطروا قسرا لمغادرة أرضهم والتواقين للعودة إليها وتجاوزوا في ذلك كل الحسابات الموجودة في هذا البلد، وقدموا أنموذجا في وحدة اللبنانيين وتماسكهم".
وختم العلامة فضل الله :" نجدد دعوتنا للدولة أن تتابع دورها ومسؤوليتها في مساعدة من غادروا بيوتهم قسرا وهو من حقهم عليها... ولا ننسى هنا ما قامت به دول وجمعيات ومؤسسات وأفراد في صمود أهلنا ومنحهم القدرة على حفظ كرامتهم وتأمين احتياجاتهم".