اكتسب النداء الجديد الذي أصدره مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أهمية كبيرة، إذ شكّل موقفاً داعماً قوياً للدولة في خيارها التفاوضي وإدانة "للبدائل المجربة التي أنتجت الاحتلال". وأكد المجلسُ في ندائه "أهمّيّةِ مقاربةِ مسارِ التفاوضِ مع إسرائيلَ برعايةٍ عربيّة ودوليّةٍ، بما يخدمُ مصلحةَ لبنانَ العليا ويؤدّي إلى تثبيتِ الأمنِ والاستقرارِ فيه".
وأضاف: "البدائل المجربة على مدى عقود انتجت الاحتلال بدل التحرير، والاستقواء بالخارج بدل السيادة، والاستتباع بدل الحرية والكرامة. ويؤكّدُ المجلس أنّ العودةَ إلى اتفاقيّةِ الهدنةِ لعام 1949 تشكّلُ محطةً أساسيّةً يمكنُ البناءُ عليها في هذا المسارِ، مع ضرورة استكماله نحو سلام مستدام. كما يشدّدُ على ضرورةِ أن يتلازمَ مسار السلامِ مع تكريسِ حيادِ لبنانَ، بقرار أممي، بما يحفظُ سيادتَه ويُبعدُه عن صراعاتِ المحاور، نزاعاتٍ يدفع ثمنها اللبنانيون".
وأعلن المجلس "أن اللحظة التي نعيش هي لحظةٌ تاريخيّةٌ مِفصليّةٌ، وهو يدعو إلى اتخاذِ مواقفَ وطنيّةٍ جريئةٍ ومسؤولةٍ، مواقفَ تنطلقُ من مصلحةِ لبنانَ العليا وأمنه القومي وأمان شعبه الإنساني، وتضعُ حدّاً لحالةِ التردّدِ والتسوياتِ الناقصةِ والمرحليّة. ويجدّد المجلسُ دعمَه لكل المساعي التي يبذلُها فخامةُ رئيسِ الجمهوريّةِ والحكومةُ اللّبنانيّةُ والمجلس النيابي في سبيلِ وقف الحرب، واستعادة كل شبر من الأراضي
اللبنانية، وإعادة الإعمار، وعودة
النازحين والأسرى والمبعدين إلى
إسرائيل، مع تثبيتِ سيادةِ الدولةِ، وإعادةِ لبنانَ إلى موقعهِ الطبيعيّ بين الدول. كما يتوجّهُ المجلسُ بالشكرِ إلى الدولِ العربيّةِ الشقيقةِ وإلى المجتمعِ الدوليّ الصديق على ما يقدّمونه من دعمٍ وزخمٍ متواصلٍ لإنقاذِ لبنانَ، ومواكبةِ مسارِ نهوضِه، وإعادتهِ إلى هويّة اختباره التاريخي الحضاري ودورهِ الرساليّ، مؤكّداً أنّ هذه المرحلةَ تستدعي ترسيخَ دولةِ المواطنةِ الحاضنةِ للتنوّعِ كخيارٍ نهائيٍّ لا رجعةَ عنه. ويجدّدُ المجلس التأكيدَ أنّ لبنانَ، في رسالتِه التاريخيّةِ، مدعوٌّ إلى أن يكونَ نموذجاً في العيشِ المشتركِ، وشاهداً على إمكانيّةِ بناءِ نموذج دولةٍ حرّةٍ، سيّدةٍ، عادلةٍ، ومستقلّةٍ، قادرةٍ على تحويلِ الألمِ إلى رجاءِ قيامةٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ".
وافادت المعلومات ان السفير البابوي في
لبنان المونسنيور باولو بورجيا، نظم مجموعة تواصل عبر الهاتف جمعت كهنة الجنوب، قبل أن يفاجئهم بإطلالة البابا ليو الرابع عشر عبر اتصال مرئي مباشر، وذلك في مبادرة لافتة حملت تعزية في زمن القلق.
وخلال اللقاء، عبر بابا الفاتيكان عن «قربه الروحي من أبناء الجنوب وبناته»، مؤكدا «أنه على اطلاع كامل بما يجري في هذه المنطقة المتألمة، وأنه يحمل أهلها، وكهنتها، وعائلاتها، وجرحاها، والقلقين على مصيرهم، في صلاته وقلبه الأبوي».
وكتبت" الاخبار":القوى التي تتوافد إلى بكركي اليوم، تتجلى انتهازيتها بوضوح، في انصياعها أمام المطالب الخارجية، وعودتها إلى الاستناد بالبطريرك في ملف شديد الحساسية، بعد تمايزها عنه في ملفات داخلية أساسية أخرى، تعاطت فيها وفق ما تُمليه عليها مصالحها الضيقة. وهذه الانتقائية تُحوِّل مرجعية بكركي إلى أداة ظرفية ووظيفية، بدل أن تكون مرجعية مبدئية.
ويزيد إدخال اسم جوزيف عون في هذا المشهد من تعقيده، إذ يعكس سعياً إلى ربط أي تحرك محتمل بمظلة سياسية ودينية، وربما خارجية. وهذا الربط يضع مؤسسات الدولة في موقع ملتبس، ويطرح تساؤلات حول حدود الفصل بين القرار الوطني والبحث عن شرعيات موازية له.
المفارقة هنا، أن المرجعيات الدينية، بدل أن تسهم في تخفيف الاستقطاب وفتح نقاش وطني شامل، تقبل باستخدامه في مسار يعمّق الانقسام عبر إضفاء طابع طائفي على قرار يفترض أن يكون جامعاً. وهكذا، تتحول مسألة كبرى إلى مادة ضمن لعبة توازنات، حيث يُقاس الموقف بقدر ما يحظى به من غطاء طائفي، لا بمدى شرعيته الدستورية أو قبوله شعبياً.
الخلاصة أن ما يجري لا يقتصر على زيارات سياسية أو مواقف عابرة، بل يعكس اتجاهاً مقلقاً: انتقال القرار من فضاء الدولة إلى الرموز، ومن
النقاش الوطني إلى التوازنات الطائفية. وهنا، تتحمل الأحزاب مسؤولية استغلال الرموز، كما تتحمل بكركي وغيرها من المرجعيات مسؤولية حماية موقعها من هذا الاستخدام، أو أقله، دوزنة الموقف،