عاد ملف قانون العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي والقضائي في لبنان، ليس فقط من زاوية التجاذب النيابي التقليدي، بل نتيجة الضغط الهائل الذي باتت تمثّله أزمة السجون اللبنانية، في ظل اكتظاظ غير مسبوق وانهيار شبه كامل للبنية القضائية والإصلاحية. فالمقاربة الحالية لم تعد ترتبط فقط بمسألة تشريعية أو سياسية، بل تحوّلت إلى قضية إنسانية وأمنية تهدد النظام العدلي برمّته.
وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط القانونية والقضائية إلى أن السجون اللبنانية تجاوزت منذ سنوات قدرتها الاستيعابية، إلا أن الأزمة تفاقمت بصورة دراماتيكية بعد الانهيار الاقتصادي وتعطّل
مؤسسات الدولة وتراجع قدرة
القضاء على مواكبة الملفات المتراكمة.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين في
بيروت المحامي جوزيف عيد في حديث ل "
لبنان 24" أن “المشكلة الأساسية في السجون اللبنانية هي الاكتظاظ القاتل الذي بلغت نسبته أكثر من 300%”. ويعطي مثالاً على ذلك سجن رومية المركزي، الذي لا تتجاوز قدرته الاستيعابية ألف سجين، فيما يضم أكثر من 3800 سجين، ما يجعله نموذجاً صارخاً لانهيار الواقع السجني في البلاد.
ويضيف عيد أن الأزمة لا تقتصر على السجون المركزية فقط، بل تشمل أيضاً النظارات التابعة للقوى الأمنية، “التي تحولت إلى "قبور" غير مؤهلة صحياً وغذائياً وأمنياً”، بحسب تعبيره، لافتاً إلى وجود ما يقارب 2500 موقوف داخل 229 نظارة موزعة على مختلف المناطق اللبنانية.
أزمة القضاء أساس الانفجار
ولا يمكن فصل أزمة الاكتظاظ عن الواقع القضائي المتعثر. فبحسب عيد، فإن تراكم الملفات وبطء الإجراءات القضائية والأزمات الاقتصادية والصحية والأمنية المتلاحقة، إضافة إلى النقص الحاد في عدد القضاة، وعدم تأهيل قصور العدل، وتدني رواتب الموظفين وحقوق القضاة، كلها عوامل أدت إلى شلل شبه كامل في العملية القضائية.
هذا الواقع انعكس مباشرة على أعداد الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، إذ وصلت نسبتهم إلى نحو 83% من إجمالي السجناء، وهي نسبة خطيرة تعكس حجم الخلل في مسار العدالة، حيث يتحول التوقيف الاحتياطي عملياً إلى عقوبة طويلة الأمد قبل المحاكمة.
ومن هنا، يرى كثير من المعنيين أن قانون العفو العام بات يُطرح كإجراء اضطراري لتخفيف الضغط عن السجون، أكثر من كونه خياراً سياسياً أو تشريعياً عادياً.
العفو العام… بين الضرورة والمخاوف
ويشرح عيد أن الأسباب الموجبة لطرح قانون “العفو الجزئي العام والمشروط” انطلقت من هذا الواقع المأساوي، معتبراً أن التوافق السياسي على القانون قد يسمح، في حال إقراره، بإطلاق سراح ما بين 3000 و4000 سجين، الأمر الذي قد يخفف نسبياً من حجم الاكتظاظ الحالي.
لكن هذا الطرح لا يخلو من إشكاليات قانونية وقضائية. فالعفو العام في لبنان كان دائماً مادة خلافية ترتبط بطبيعة الجرائم المشمولة به، والتوازنات الطائفية والسياسية، إضافة إلى مخاوف متكررة من تحوّله إلى أداة سياسية ظرفية بدل أن يكون جزءاً من سياسة إصلاحية شاملة.
كما أن جزءاً من الرأي العام يعتبر أن الإفراط في استخدام قوانين العفو يضرب مبدأ المحاسبة ويضعف ثقة المواطنين بالقضاء، خصوصاً إذا شملت القوانين جرائم خطيرة أو ملفات ذات حساسية أمنية واجتماعية.
"حل موقت"… إذا غابت الإصلاحات
ورغم دعمه إقرار القانون في ظل الظروف الحالية، يشدد عيد على أن رجال القانون كانوا يفضلون أساساً أن "تأخذ العدالة مجراها الطبيعي ضمن شروط قضائية سليمة”، إلا أن الواقع القائم يجعل من العفو خياراً اضطرارياً لا أكثر.
ويحذر من أن أي عفو لن يكون كافياً ما لم يترافق مع خطة إصلاحية شاملة تعالج جذور الأزمة، من تطوير البنية التحتية للسجون، إلى تسريع المحاكمات، وتفعيل التشكيلات القضائية، وتحسين أوضاع القضاة والموظفين، وتأهيل قصور العدل.
ويقول بوضوح إن السجون "ستعود إلى وضعها الحالي خلال سنتين من صدور القانون المرتقب إذا لم تحصل الإصلاحات المطلوبة"، معتبراً أن الأزمة ستبقى تدور في الحلقة نفسها ما دامت الدولة عاجزة عن معالجة مكامن الخلل البنيوية.
اختبار جديد للدولة
في المحصلة، يبدو أن ملف العفو العام في لبنان لم يعد مجرد بند خلافي على جدول أعمال اللجان النيابية، بل تحوّل إلى اختبار مباشر لقدرة
الدولة على إدارة واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية والقضائية.
فبين من يرى في العفو ضرورة عاجلة لمنع الانفجار داخل السجون، ومن يخشى تحوّله إلى معالجة سطحية لأزمة عميقة، تبقى الحقيقة الأساسية أن الاكتظاظ ليس سبب الأزمة بل نتيجة لانهيار منظومة قضائية وإدارية كاملة، ما يعني أن أي حل لا يطال جذور المشكلة سيبقى مؤقتاً مهما بدا ملحّاً اليوم.