في ظل الحرب القائمة، تُطرح في لبنان ملفات كان مجرد الاقتراب منها حتى وقت قريب يُعد من المحرمات السياسية والشعبية: السلام مع إسرائيل، التطبيع، فتح السفارات، وشكل العلاقة المفترضة مستقبلاً. وهي أسئلة لم تعد محصورة بالنقاشات المغلقة أو الهامشية، بل دخلت إلى صلب النقاش العام، مدفوعة بحجم الانهيار الداخلي والتبدلات التي فرضتها الحرب الأخيرة على المزاج اللبناني.
اللافت أن الإجابات التي تعكسها بعض الدراسات والاستطلاعات أظهرت، مرة جديدة، عمق التناقضات داخل
المجتمع اللبناني، وارتفاعاً ملحوظاً في نسبة المؤيدين لفكرة السلام مع إسرائيل. لكن هذا التحول يطرح بدوره سؤالاً أكثر أهمية: هل نحن أمام تبدل بنيوي فعلي في الوعي السياسي اللبناني، أم أمام تعبير مؤقت عن إرهاق جماعي راكمته عقود طويلة من الحروب والصراعات والانهيارات؟
عاش لبنان ما لا يقل عن نصف قرن تحت وطأة النزاعات الداخلية والتجاذبات الإقليمية والدولية، ودفع شعبه أثماناً باهظة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. ومن الطبيعي، في ظل هذا المسار
الطويل من الاستنزاف، أن يصبح البحث عن الاستقرار والأمان أولوية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، بعيداً عن الشعارات والانقسامات التقليدية.
لكن التعامل مع هذا التحول لا يمكن أن يتم عبر الخطاب السهل القائم على التخوين المتبادل، وهو خطاب لم ينتج طوال السنوات الماضية سوى مزيد من الانقسام والعجز. فالمطلوب اليوم، من مختلف
القوى السياسية، وفي مقدمها "
حزب الله"، مقاربة أكثر جدية ومسؤولية تقوم على مراجعة فعلية للسياسات والخيارات التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من التصدع الداخلي.
والمراجعة هنا لا تعني التخلي عن الثوابت أو إعادة تعريف الصراع من زاوية عاطفية أو انفعالية، بل تعني الاعتراف بالأخطاء، والتوقف عن التعامل مع أي رأي مخالف باعتباره خيانة، أو مع أي قناعة سياسية باعتبارها الحقيقة المطلقة. فالمجتمعات لا تُبنى بمنطق امتلاك الحقيقة الكاملة، بل بالقدرة على إنتاج مساحة وطنية مشتركة تتسع للاختلاف وتحمي الاستقرار الداخلي.
صحيح أن إسرائيل ليست “
حمامة سلام”، وصحيح أيضاً أن اللبناني الذي يبحث عن الاستقرار ليس خائناً. وبين هذين الحدّين، تبدو الحاجة ملحّة إلى خطاب سياسي أكثر واقعية واتزاناً، يخرج من منطق "الحق معنا دائماً" إلى منطق أكثر نضجاً ومسؤولية: "نحن مع الحق".