ما الذي يمنع
الولايات المتحدة الأميركية من لجم
إسرائيل في مواصلة توسعها في الجنوب كما نجحت في منعها من قصف
بيروت، وبالتحديد ضاحيتها الجنوبية، وما الذي يمنع
إيران من إقناع "
حزب الله" بأن نتائج الحرب لن تكون لمصلحته، خصوصًا أن الأصداء التي بدأت تصل إلى مسامع طهران من البيئة الحاضنة لـ "الحزب" لا تدعو كثيرًا إلى التفاؤل على رغم الأخبار التي تتحدّث عن تصدّي عناصر "المقاومة الإسلامية" للقوات
الإسرائيلية، ومن على مسافة صفر، في منطقة زوطر الشرقية، التي تتعرض لقصف ممنهج يُعتقد أن الهدف منه الوصول إلى النبطية؟
فإذا كان الرئيس ترامب، الذي تدّخل شخصيًا للجم اندفاعة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نحو بيروت كردّ مباشر على "المسيّرات البدائية"، التي يصنّعها "الحزب" محليًا، قادرًا على الحدّ من الغطرسة الإسرائيلية "بيروتيًا"، فهو بالتأكيد قادر على منع تل أبيب من توسيع رقعة احتلالها للجنوب. فإذا كان الدافع الآني لوقف استهداف بيروت الحرص على عدم التأثير السلبي على الاتفاق الوشيك مع إيران، فالأحرى به أن يمارس الضغط نفسه على نتنياهو من أجل إنجاح المفاوضات المباشرة بين
لبنان وإسرائيل في واشنطن غدًا الجمعة على المستوى العسكري، وفي 2 و3 حزيران المقبل على المستوى السياسي، لأن من شأن أي "خضّة كبيرة" في الجنوب كاستهداف النبطية على غرار استهداف بنت جبيل والخيام، على سبيل المثال، أن يطيح بهذه المفاوضات، خصوصًا أن الوفد اللبناني، وبتوجيهات مباشرة من الرئيس جوزاف عون، يصرّ على الالتزام بوقف إطلاق النار من الجانب
الإسرائيلي كشرط لازم لمواصلة مفاوضات واشنطن.
لكنّ ما يبدو واضحًا حتى الآن أنّ واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني وفق مبدأ "الضبط لا الحسم"، أي منع الانفجار الكبير من دون الذهاب إلى فرض تسوية نهائية وسريعة على إسرائيل أو على "حزب الله". فالإدارة الأميركية تدرك أنّ أي مواجهة واسعة تشمل بيروت ستؤدي إلى خلط الأوراق الإقليمية بالكامل، وقد تنعكس مباشرة على مسار التفاوض مع إيران، وعلى صورة الإدارة الأميركية نفسها عشية الاستحقاقات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. أما الجنوب، فتنظر إليه واشنطن حتى اللحظة باعتباره مساحة ضغط قابلة للاحتواء ضمن سقف معيّن، طالما أنّ الحرب لم تتحول بعد إلى مواجهة شاملة خارجة عن السيطرة.
ومن هنا يمكن فهم هذا التناقض الظاهر بين "حماية بيروت" وترك الجنوب تحت نار الاستنزاف اليومي. فالإدارة الأميركية لا تريد سقوط التسوية المحتملة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تمارس ضغطًا حاسمًا على نتنياهو لوقف مشروعه القائم على إعادة رسم الواقع الأمني في الجنوب اللبناني بالقوة العسكرية، مستفيدًا من اللحظة الإقليمية الحالية ومن اقتناع إسرائيلي متزايد بأنّ ما بعد هذه الحرب يجب ألا يشبه ما قبلها.
وفي المقابل، تبدو إيران بدورها حريصة على عدم الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تُفقدها المكاسب التي تسعى إلى تثبيتها عبر التفاوض مع واشنطن. ولذلك فإنّ الرسائل التي تصل تباعًا إلى "حزب الله" تحمل، بحسب ما يتردد في أكثر من عاصمة معنية، دعوات واضحة إلى ضبط الإيقاع وعدم الذهاب إلى خيارات قد تؤدي إلى توسع المواجهة بصورة يصعب احتواءها لاحقًا.
غير أنّ المعضلة الأساسية بالنسبة إلى "حزب الله" تكمن في أنّه يجد نفسه اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد. فهو لا يستطيع الظهور بمظهر المتراجع ميدانيًا أو سياسيًا بعد كل ما جرى، وفي الوقت نفسه يدرك أنّ أي حرب شاملة جديدة قد تكون أثمانها على بيئته وعلى لبنان أكبر بكثير من قدرة الداخل على الاحتمال، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق.
كما أنّ التطورات الميدانية الأخيرة في الجنوب، ولا سيما في محيط النبطية والزهراني، تعكس بوضوح أنّ إسرائيل لا تتعامل مع عملياتها باعتبارها ردودًا ظرفية، بل ضمن خطة تدريجية تهدف إلى توسيع نطاق الضغط العسكري والنفسي على البيئة الحاضنة لـ "الحزب"، عبر استهداف العمق السكاني والبنية الخدماتية ومراكز الحركة الاقتصادية، في محاولة لدفع هذه البيئة إلى إعادة طرح الأسئلة الصعبة حول جدوى استمرار الحرب المفتوحة.
وفي موازاة ذلك، تبدو الدولة
اللبنانية أمام سباق مع الوقت. فهي تحاول استثمار الزخم الأميركي والدولي لإطلاق مسار تفاوضي يعيد تثبيت وقف إطلاق النار ويفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، لكنها تدرك في المقابل أنّ أي تطور ميداني كبير قد يطيح كل ما يُحضّر في واشنطن. ولذلك فإنّ إصرار الرئيس عون على ربط استمرار المفاوضات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية لا يندرج فقط في إطار التمسك بالثوابت الوطنية، بل أيضًا في إطار محاولة حماية المسار التفاوضي نفسه من الانهيار المبكر.
وفي العمق، قد تكون المشكلة الأكبر أنّ كل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني تنظر إلى لبنان اليوم بوصفه جزءًا من لوحة تفاوضية أوسع، لا ملفًا مستقلًا بذاته. ولذلك فإنّ مصير الجنوب، وربما شكل الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، قد يبقيان مرتبطين إلى حد بعيد بنتائج التفاهمات الأميركية –
الإيرانية، وبالحدود التي ستُرسم للتوازنات الجديدة في المنطقة بعد انتهاء الحرب