يتبيّن يومًا بعد يوم أن قرار استمرار الحرب أو إنهائها ليس في "حارة حريك"، بل في طهران. هذا الواقع ليس جديدًا بالنسبة إلى المراقبين الدوليين، الذين يرصدون بدقة المواقف
الإيرانية المتعلقة بالوضع اللبناني الداخلي، وبمدى ارتباطه بالمشاريع الكبرى، التي يُعمل عليها في الخارج، والتي تحاول
إيران أن تكون في مقدمة المستفيدين من أي تغيير مستقبلي في الخارطة الجيوسياسية الجديدة للمنطقة، وأن يكون لها موطئ قدم في المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط. من هنا، وبحسب هؤلاء المراقبين، يمكن فهم الموقف
الإيراني الداعم الأول والأساسي لـ "
حزب الله"، الذي تعتبر بيئته الحاضنة أنه لو تُرك أمر إنهاء الحرب له لأنهاها قبل أن تبدأ، ولكن ارتباط القرار النهائي لقيادته الجديدة، بعد اغتيال أمنيه العام السيد حسن نصرالله، بطهران مباشرة، يجعل أمد الحرب أطول مما يعتقد أو يتمنى البعض.
إلاّ أن هذا الواقع لا يعني في المقابل أن ما تقوم به
إسرائيل غير بعيد عمّا يُشاع عن إعادة تموضع إقليمي من ضمن سيناريوهات لا تأخذ في الاعتبار ما يمكن أن تكون انعكاساتها على
لبنان، الذي لا يزال يُعتبر الحلقة الأضعف، وهو الذي "يأكل" حصته من هذه المشاريع، شهداء وجرحى ومشردّين وتدمير وخراب وانهيار اقتصادي وانقسامات داخلية.
وفي هذا السياق، لا تبدو المعركة الدائرة اليوم في الجنوب اللبناني مجرد مواجهة حدودية تقليدية بين إسرائيل و"حزب الله"، بقدر ما تبدو جزءًا من صراع أوسع يتجاوز الجغرافيا
اللبنانية نفسها. فلبنان، شاء أم أبى، أصبح نقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية متشابكة، حيث تحاول كل جهة تحسين شروطها التفاوضية على حساب الأرض اللبنانية وأهلها.
فإيران، التي تعتبر أن نفوذها الإقليمي تعرّض خلال السنوات الأخيرة لاهتزازات متتالية، من
سوريا إلى العراق وصولاً إلى لبنان، لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية على شاطئ المتوسط. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بمستقبل "حزب الله" أو بدوره العسكري والأمني لا يمكن فصله عن الصورة الأشمل للمفاوضات المفتوحة بينها وبين
الولايات المتحدة، سواء بصورة مباشرة أو عبر الوسطاء.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن اللحظة الإقليمية الراهنة قد تكون فرصة نادرة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك على حدودها الشمالية، مستفيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة بعد سنوات من الحروب والتسويات. ولذلك فإنها تتعامل مع ما يجري بوصفه فرصة لتغيير الوقائع الميدانية والسياسية في آن معًا، لا مجرد ردّ فعل على تهديدات أمنية آنية.
أما المعضلة اللبنانية الحقيقية فتتمثل في أن الدولة تجد نفسها أمام استحقاق تاريخي بالغ الدقة. فمن جهة، هناك حاجة ملحّة إلى وقف الحرب وإنهاء النزف البشري والاقتصادي المستمر، ومن جهة أخرى هناك ضرورة لإقناع اللبنانيين والمجتمع الدولي بأن الدولة قادرة
على استعادة دورها الطبيعي كمرجعية وحيدة للقرار السيادي والأمني.
ومن هنا تكتسب مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أهمية استثنائية، لأنها تعكس محاولة واضحة لإعادة تموضع لبنان ضمن منطق الدولة لا منطق المحاور. فالرهان الرئاسي لا يقوم فقط على إنهاء الحرب، بل على تحويل أي تسوية مقبلة إلى مدخل لإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، وإطلاق مسار طويل من استعادة مؤسسات الدولة لدورها الكامل.
ولعلّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس استمرار العمليات العسكرية فحسب، بل خطر تحوّل الحرب إلى واقع دائم ومألوف، فيما يعتاد اللبنانيون على الخسائر اليومية وعلى تراجع فرص النهوض الاقتصادي والاستثماري. لذلك فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط في تحديد مصير المواجهة الحالية، بل في رسم ملامح لبنان الذي سيخرج منها؛ لبنان الدولة القادرة على فرض حضورها، أم لبنان الساحة المفتوحة أمام صراعات الآخرين؟
وفي انتظار اتضاح صورة المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، يبقى اللبنانيون أسرى معادلة قاسية، وهي أنه كلما اقتربت العاصمتان من التفاهم، اقترب لبنان من التهدئة، وكلما تعثرت المفاوضات بينهما، ارتفعت احتمالات التصعيد على أرضه. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتفسير لماذا يعتقد كثيرون أن قرار الحرب والسلم لا يزال أبعد بكثير من حدود "حارة حريك"، وأقرب بكثير إلى مراكز القرار الكبرى في المنطقة والعالم.
ما يزيد المشهد تعقيدًا أن معظم اللبنانيين باتوا يدركون أن قرار الحرب لم يعد لبنانيًا بالكامل، كما أن قرار السلام ليس لبنانيًا بالكامل أيضًا. فبين عواصم القرار الكبرى تضيع أحيانًا مصلحة لبنان، فيما يواصل أبناؤه دفع الأثمان من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم. لذلك تبدو المعركة الحقيقية اليوم أبعد من خطوط النار في الجنوب، وأعمق من المفاوضات الجارية في الكواليس، لأنها تتعلق بحق اللبنانيين في استعادة دولتهم وقرارهم الوطني الحر، بحيث لا يعود مصيرهم معلقًا على نتائج التفاوض بين الآخرين، ولا رهينة لتوازنات إقليمية تتبدل من حين إلى آخر. وعندها فقط يصبح وقف الحرب دائمًا، لا هدنة مؤقتة، ويصبح السلام خيارًا لبنانيًا نابعًا من إرادة الدولة لا نتيجة تفاهمات مفروضة من الخارج.