يناقش مجلس الوزراء اليوم ملف تطوير المناهج التربوية في لبنان، في خطوة ينتظرها القطاع منذ سنوات طويلة، بعدما تحوّلت المناهج المعمول بها إلى مادة قديمة لا تشبه التحولات التي عرفها العالم، ولا تواكب حاجات الطلاب أو سوق العمل.
فالملف لم يعد تفصيلاً تربوياً عادياً، بل بات قضية وطنية مرتبطة بمستقبل جيل كامل. ففي الوقت الذي دخلت فيه دول كثيرة مرحلة تعليم
الذكاء الاصطناعي، الروبوتكس، البرمجة، الأمن الرقمي والمهارات التطبيقية منذ سنوات، لا يزال الطالب في لبنان يتعلّم ضمن إطار تقليدي لم يخضع لتحديث فعلي منذ عقود.
وتقول مصادر تربوية لـ"
لبنان24" إن تطوير المناهج لم يعد خياراً، بل حاجة ملحّة، لأن المدرسة
اللبنانية بقيت لفترة طويلة أسيرة كتب وبرامج لا تعكس ما يجري في العالم. وتشير المصادر إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في قدم المواد، بل في طريقة التعليم نفسها، التي ما زالت في كثير من الأحيان قائمة على الحفظ والتلقين، بدل الفهم، التحليل، التفكير النقدي، حلّ المشكلات والعمل الجماعي.
وبحسب المصادر، فإن إدخال مواد حديثة إلى المناهج يجب ألا يكون مجرد إضافة أسماء جديدة إلى الكتب، بل جزءاً من رؤية متكاملة تبدأ من الصفوف الأولى. فالذكاء الاصطناعي مثلاً لم يعد مادة مستقبلية، بل أصبح أداة يومية تدخل في الطب، الإعلام، الاقتصاد، الصناعة، التعليم والإدارة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الروبوتكس، البرمجة، الأمن السيبراني، المواطنة الرقمية، البيئة، ريادة الأعمال والمهارات المالية الأساسية.
وترى المصادر أن لبنان تأخر كثيراً في هذا المجال. فما يُطرح اليوم كمواد حديثة، أصبح في عدد من الدول جزءاً طبيعياً من التعليم المدرسي، لا مادة نخبوية أو نشاطاً إضافياً. وهذا التأخر يضع الطالب اللبناني أمام فجوة واضحة بين ما يتعلّمه في الصف، وما يواجهه لاحقاً
في الجامعة أو سوق العمل.
وتضيف المصادر أن تطوير المناهج يجب أن يراعي أيضاً الفروقات الكبيرة بين المدارس الرسمية والخاصة. فإدخال مواد مثل الروبوتكس أو البرمجة لا يمكن أن ينجح من دون تجهيزات، إنترنت، مختبرات، تدريب للمعلمين ومحتوى تعليمي واضح. لذلك، فإن أي خطة لا تضع المدرسة الرسمية في قلب المشروع ستؤدي إلى توسيع الفجوة بدل معالجتها.
وتشدد المصادر على أن المعلم هو العنصر الأساسي في أي تحديث. فلا يمكن فرض منهج جديد على أساتذة لم يحصلوا على التدريب الكافي، أو لا يملكون الأدوات اللازمة لتطبيقه داخل الصف. وتقول إن تطوير الكتب وحده لا يكفي، لأن المنهج الحقيقي يظهر في طريقة التعليم، لا في الورق فقط.
وفي هذا الإطار، تعتبر المصادر أن المطلوب من مجلس الوزراء ليس إقراراً شكلياً أو سياسياً للملف، بل وضع مسار واضح للتطبيق. وهذا يعني تحديد التمويل، آلية التدريب، المهل الزمنية، طريقة تقييم النتائج، وكيفية تعديل المناهج بشكل
دوري حتى لا ينتظر لبنان ثلاثين سنة جديدة قبل أي تحديث آخر.
وتلفت المصادر إلى أن تحديث المناهج لا يعني التخلي عن المواد الأساسية أو الهوية الوطنية أو
اللغة العربية أو التاريخ، بل يعني إعادة تنظيمها وربطها بحاجات العصر. فالطالب يحتاج إلى معرفة لغته وتاريخه، لكنه يحتاج أيضاً إلى فهم التكنولوجيا، التعامل مع المعلومات، التحقق من الأخبار، حماية بياناته، واستخدام الأدوات الرقمية بطريقة واعية.
وتختم المصادر التربوية لـ"لبنان24" بالقول إن جلسة مجلس الوزراء اليوم قد تشكل بداية مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. فالمهم ليس فقط أن يقر لبنان مناهج جديدة، بل أن ينجح في تطبيقها بعدالة داخل كل المدارس. عندها فقط يمكن القول إن التعليم بدأ يخرج من زمن قديم، ويدخل فعلاً إلى زمن يشبه طلاب اليوم.