في هذا اليوم الذي تتشح فيه السماوات بالسواد، ويتردد صدى المظلومية في وجدان التاريخ، يتقاطع وجعي الشخصي مع جرح
عاشوراء الخالد.
إنه العاشر من محرم، يوم الصبر واللوعة، واليوم الذي أقف فيه على حافة الحلم، تفصلني عن
بيتي أمتارٌ قليلة، لكنها أمتارٌ بمرارة خطى السبي، وطول مسافات النفي، وجمر الفراق المشتعل في الضلوع.
لقد غادرتُ
داري مجبرًا تحت وطأة الحرب، تركتُ خلفي جدرانًا احتضنت ضحكاتي، وعتباتٍ ألفت خطواتي، لتبتلع الغربة أيامي وتصبح بلدتي رهينة
الاحتلال. وفي غمرة هذا الشوق الحارق، أطلّت عليّ عبر شاشة الهاتف ومضاتٌ من مقطع فيديو عابر، هو مجرد توثيق مصور، لكنه حمل نبأً زلزل كياني وأعاد الروح إلى جسدي المهترئ: "بيتي لا يزال صامدًا".
لم تدمره آلة الحرب، ولم تسحق ملامحه القذائف؛ وقف هناك ينتظرني، شامخًا، وفيًّا لساكنيه برغم غيابهم. رأيته فاشتعلت في صدري حرائق الحنين؛ كيف لبيتٍ يبعد عني رمية حجر أن يكون أبعد من النجوم؟ وكيف لي أن ألمح طيف نافذتي ولا أستطيع أن أمد يدي لأفتحها لنسمات الصباح؟
إنها لوعة لا تدانيها لوعة، أن تخترق عيناك المدى لتعانق حجارةً تنتمي إليك، وتشم رائحة الذكريات تفوح من زواياها، لكن قدميك مكبلتان بقهر الاحتلال وقسوة الحدود المصطنعة.
تفصلني عنه أمتارٌ لو مشيتها لتهادت روحي قبل جسدي، لكنها اليوم جدارٌ من العجز، يملأ القلب غصةً والعيون دمعًا حارقًا على أرضٍ نراها ولا نلمسها، ونحيا بها ولا نسكنها.
يرتبط هذا الغياب المرير بذكرى العاشر من محرم ارتباطًا وثيقًا بالوجع؛ فكلاهما يجسد معنى الفقد والظلم، وحرقة القلوب التي عاينت الديار تُهجر والنفوس تُقهر.
في عاشوراء، نستذكر
الخيام التي حُرقت، والأمهات اللواتي لوعهّن الفراق، والأسرى الذين سيقوا بعيدًا عن ديارهم؛ واليوم أعيش كربلائي الخاصة وأنا أنظر إلى بيتي
الأسير خلف خطوط الاحتلال، عاجزًا عن عبور تلك الخطوات القليلة التي تفصلني عن فردوسي المفقود.
"إن أشد أنواع الغربة ليس أن تكون بعيدًا عن وطنك بآلاف الأميال، بل أن تكون على بعد خطوات منه، تراه بعينك، وتحترق شوقًا إليه، ولا تملك إليه سبيلاً."
إن صمود ذلك البيت في وجه الدمار ليس مصادفة، هو رسالة مبطنة بالصبر والإباء.
يستمد قوته من وحي هذا اليوم العظيم، ليقول أن الجدران وإن أُسرت، فإن هويتها
لا تموت، وأن الظلم مآله الزوال مهما طال ليل الاحتلال وتجبرت قوته.
سأبقى هنا، على تخوم الديار، أرقب الحرية، متسلحًا بصبر هذا اليوم العظيم وتضحياته. فمن يملك بيتًا صامدًا يرفض الركوع، ويملك قلبًا ينبض بصدق هذا الحنين الجارف، لا بد أن تطأ قدماه عتبات الديار مجددًا، وتعود الحياة إلى عروقٍ جففها البعد.