منذ تولّي الشيخ نعيم قاسم الأمانة العامة في
حزب الله، دخل الحزب مرحلة تُعدّ الأكثر تعقيدًا منذ تأسيسه. فالرجل، الذي عُرف طوال سنوات بدوره التربوي والتنظيمي والإداري، وجد نفسه على رأس الحزب في لحظة استثنائية فرضتها حرب عام 2024، بعد اغتيال معظم الصف الأول من القيادة، وفي ظل ظروف أمنية وسياسية غير مسبوقة.
لذلك، فإن وصوله إلى موقع الأمانة العامة لم يكن انتقالًا اعتياديًا للسلطة، بل جاء في ظل فراغ فرضته التطورات الميدانية، أكثر مما كان نتيجة منافسة بين مرشحين. ومنذ اليوم الأول، كان التحدي يتمثل في إدارة حزب خرج من واحدة من أصعب الحروب في تاريخه.
شكّل وقف إطلاق النار في أواخر عام 2024 بداية مرحلة جديدة. فالحزب خرج من المواجهة بخسائر كبيرة على المستويات العسكرية والتنظيمية والبشرية، الأمر الذي فتح نقاشًا داخل بيئته حول إدارة الحرب، وأسباب ارتفاع حجم الخسائر، ومدى الحاجة إلى مراجعة شاملة للخيارات التي قادت إلى تلك النتائج.
وبحسب قراءات متداولة داخل أوساط الحزب، سعت بعض القيادات إلى تجنب تحمّل مسؤولية ما جرى عبر تقديم روايات متناقضة؛ فتارة جرى الحديث عن "انتصار"، وطورًا أُلقي جانب من المسؤولية على
إيران، وصولًا إلى ترويج مقولة إن "إيران تخلّت عن الحزب". ويرى أصحاب هذه القراءة أن هذا الخطاب لم يكن يعكس الموقف
الإيراني بقدر ما كان محاولة لتحويل الأنظار عن مسؤولية القيادات التي أدارت المعركة.
وتضيف هذه القراءة أن طهران نفسها أبدت، خلال الأشهر الأولى من عام 2024، استياءً من الأداء الميداني، بعدما أوفدت مسؤولين للاستفسار عن أسباب ارتفاع أعداد الشهداء، وحجم الاختراقات، والارتباك الذي رافق سير المعارك، وهو ما لم يلقَ ارتياحًا لدى بعض القيادات التي اعتبرت تلك الأسئلة مساسًا بأدائها.
في الوقت نفسه، كانت البيئة الإقليمية تتغير بسرعة. فلبنان دخل مرحلة سياسية جديدة مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، بينما أدى سقوط النظام السوري السابق إلى تبدّل أحد أهم مرتكزات البيئة الاستراتيجية التي تحرك الحزب في إطارها طوال سنوات.
وسط هذه التحولات، بدأ الشيخ قاسم، بحسب مصادر سياسية مطلعة، عملية إعادة ترتيب داخلية هدفت إلى استعادة التماسك التنظيمي والعسكري. غير أن هذه العملية اصطدمت سريعًا باعتراضات من داخل الحزب، إذ برز انقسام بين فريق يرى أن نتائج الحرب تفرض تغييرًا في القيادات وآليات العمل، وفريق آخر يتمسك بالإبقاء على البنية التقليدية التي حكمت الحزب لعقود.
وكانت التعيينات الجديدة وإعادة توزيع المسؤوليات أبرز تجليات هذا الصراع. فرأى مؤيدو
الأمين العام فيها محاولة لإفساح المجال أمام جيل جديد من الكوادر وضخ دماء جديدة في المؤسسة، فيما اعتبرها معارضوه مساسًا بالتوازنات التاريخية داخل الحزب، وبالدور الذي لعبته القيادات التقليدية في بنائه.
ومع اتساع دائرة الخلاف، بدأت تظهر تسريبات وانتقادات استهدفت موقع الأمين العام وشخصه. ويعتبر مقربون منه أن هذه الحملة ليست منفصلة عن الصراع الدائر داخل القيادة، بل تهدف إلى الحد من قدرته على فرض مشروعه الإصلاحي وإعادة رسم مراكز النفوذ داخل الحزب.
في المقابل، يرى داعمو الشيخ قاسم أن الأشهر الماضية شهدت مؤشرات
على استعادة جزء من القدرات التنظيمية والعسكرية، سواء من خلال إعادة بناء بعض الوحدات أو الدفع بكوادر شابة إلى مواقع متقدمة، معتبرين أن الحزب دخل مرحلة إعادة تموضع، لا مرحلة انهيار.
ولم يقتصر الجدل على الشأن التنظيمي، بل امتد إلى القرار السياسي. فقد أثارت طريقة إدارة العلاقة مع
رئيس مجلس النواب نبيه بري نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية، بعدما أكدت تصريحات عدد من مسؤولي الحزب أن
بري يتولى إدارة المفاوضات والملفات السياسية الحساسة، في محاولة متعمدة، بحسب منتقدين، للإيحاء بغياب الأمين العام عن واجهة القرار السياسي.
ويرى منتقدو هذا النهج أن هذه المقاربة بدت وكأنها تنقل مركز القرار السياسي إلى خارج مؤسسات الحزب. في المقابل، يعتبر آخرون أن ما جرى لا يتجاوز كونه توزيعًا للأدوار فرضته طبيعة المرحلة، ولا يعني انتقال القرار السياسي من قيادة الحزب إلى حلفائه.
أما على المستوى الإيراني، فتشير قراءات سياسية إلى وجود مراجعة لأداء المرحلة السابقة، تشمل نتائج حرب الإسناد وتداعياتها على مجمل محور
المقاومة. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تقييم لآليات العمل، وربما مراجعة لأداء عدد من القيادات التي أدارت السنوات الأخيرة.
في المحصلة، تبدو المعركة على الشيخ قاسم أبعد من كونها معركة لإفشال تثبيت موقعه في الأمانة العامة. فهي، في جوهرها، صراع على شكل حزب الله بعد الحرب: بين من يدعو إلى إعادة الهيكلة، وتجديد القيادة، وتكييف الأداء مع المتغيرات الإقليمية، وبين من يرى أن الحفاظ على النموذج التقليدي هو الضمانة الأساسية لاستمرار الحزب، رغم كل النتائج التي ترتبت منذ انطلاق حرب إسناد غزة وحتى اليوم.