قد يبتعد اللبنانيون عن بلدهم آلاف الكيلومترات، لكن كثيرين يحتفظون بعلاقة مباشرة معه، لا تقتصر على الزيارات أو متابعة الأخبار. ميشال إبراهيم، الحلاق اللبناني المقيم في غرب فانكوفر، اختار أن يحافظ على هذه العلاقة من خلال كرة القدم.
فأعادت شبكة "Global News" الكندية تسليط الضوء على قصة إبراهيم، الذي يجمع معدات رياضية لإرسالها إلى أطفال يعيشون في مخيمات اللاجئين في
لبنان. كرات وأحذية وقمصان وشباك تُجمع في كندا، قبل أن تبدأ رحلتها إلى أطفال لا يملكون أحياناً أبسط مستلزمات اللعب.
لكن المبادرة ليست وليدة اليوم. بدأت قصة إبراهيم عام 1993، خلال زيارة إلى بلدته جب جنين في
البقاع الغربي. هناك شاهد مجموعة من الأطفال يلعبون بكرة قديمة جرى ترقيعها أكثر من مرة. في اليوم التالي، اشترى عشر كرات، إلى جانب قمصان وسراويل وأحذية وشباك، وجهّز مساحة بسيطة كي يتمكن الأطفال من اللعب.
تحولت تلك الخطوة لاحقاً إلى عمل مستمر. وعلى مدى سنوات، جمع إبراهيم مساعدات ومعدات رياضية لأطفال في لبنان وسوريا ودول أخرى تعاني الحروب والفقر. وتشير المعلومات المنشورة على موقع متجره إلى أن مساعداته وصلت إلى نحو 30 ألف طفل في 28 دولة.
ليس نشاط إبراهيم بعيداً عن تجربته الشخصية. فقد خسر والده وشقيقين له في الحروب التي شهدها لبنان، وبقي قريباً من العائلات التي دفعت أثمان النزاعات. لذلك، لم يتعامل مع كرة القدم باعتبارها نشاطاً ترفيهياً فقط، بل وسيلة تمنح الأطفال وقتاً طبيعياً بعيداً عن ظروف المخيم والحرب.
متجر الحلاقة الذي يديره في غرب فانكوفر لم يبقَ مكاناً للعمل فقط. تحوّل في أكثر من مناسبة إلى نقطة لجمع التبرعات، سواء لمصلحة الأطفال اللاجئين أو لمساعدة متضررين في لبنان. ومن خلال زبائنه وأصدقائه وأفراد الجالية، استطاع تأمين مبالغ ومعدات وإرسالها إلى المحتاجين.
القصة تعكس جانباً من علاقة اللبنانيين في الاغتراب ببلدهم. فهذه العلاقة ليست جديدة في تاريخ اللبنانيين، إذ منذ موجات الهجرة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، حافظ المغتربون على صلتهم بقراهم ومدنهم، رغم انتقالهم إلى الأميركيتين وأفريقيا وأستراليا ودول
الخليج. بقيت المساعدة تبدأ غالباً من العائلة، ثم توسعت عبر الجمعيات والنوادي الاغترابية لتمويل مدارس ومستشفيات ومنح دراسية ومشاريع صغيرة في لبنان.
وخلال الحروب والأزمات المتلاحقة، ظهر دور الاغتراب بصورة أوضح. فإلى جانب التحويلات المالية التي تعتمد عليها عائلات كثيرة، أطلق لبنانيون في الخارج حملات لجمع الأدوية والغذاء والملابس، وساهموا في دعم متضررين بعد انفجار مرفأ
بيروت وفي فترات النزوح والحرب.