منذ أيام معدودات، في 15 أيار الجاري، باغتنا اللبناني الماروني كلوفيس مقصود بمفارقة الحياة.
إنه اليوم الذي تقع فيه ذكرى تقسيم فلسطين عام 1947. فيا لغرابة هذا القدر الذي لم نشهد فواجعه القتّالة إلا في المسرح الإغريقي القديم! لقد مشينا يومها في التظاهرة ذاتها من أجل فلسطين ضد تقسيمها. مثلما كنا معاً في خمسينيات القرن المنصرم نتلمّس قضية فلسطين بكونها القضية المركزية. فإسرائيل الوليدة لن تكتفي بقسم من فلسطين، ولا حتى بكل فلسطين ما دام لبنان حياً بصيغته الكيانية القائمة جوهرياً على التنوّع الديني والتعدد الثقافي. أي بصيغة التنوّع ذاته الذي كانت فلسطين، هي الأخرى، تتسم به.
كلوفيس مقصود، اللبناني، وجد في القضية الفلسطينية جوهر القضايا العربية بعامة. رأى إلى العروبة بإحيائها ضالته المنشودة، مستنداً إلى ذلك، وبالتأكيد، إلى الريادة اللبنانية في إطلاق النهضة العربية التي بزغت في بيروت، لتشعّ أنوارها كذلك في مصر وسوريا والعراق وحتى في بلدان المغرب على أيدي الرواد اللبنانيين، المسيحيي الديانة بغالبيتهم. أجل، في لبنان، وُلدت يقظة جديدة، عربية، لا دينية ولا عرقية، تحررت من نير التتريك الطوراني، وأرست نهضة أدبية فكرية، علمية، تعليمية أكاديمية، حديثة.
لقد ذهب هذا المفكر النيّر كلوفيس مقصود إلى حد اعتبار القضية الفلسطينية اختزالاً مكثفاً لتلك العروبة المستنيرة، النهضوية. وكان الرسول الجوّال الداعي إليها في دنيا العرب، لا سيما في الدول التي ارتفعت فيها مقولات التحرر العربي والوحدة العربية وشعاراتهما. وفي هذا المضمار، اصطدم بالعديد من الممارسات والوقائع والمواقف التي تناقض الشعارات المرفوعة. صُدم لكنه لم ييأس.
ثابر على متابعة المحاولات، والمبادرات، في المواقع المختلفة، ممثلاً لجامعة الدول العربية، جوالاً داعية لا يستكين من أجل القضايا العربية. لم يدع منبراً أكاديمياً أو فكرياً، أو سياسياً، إلا واعتلاه من أجل فلسطين التي ظلت في يقينه وفي كفاحيته قضية القضايا.
عروبته ظلت حصانته، متشبثاً بها أفقاً اعتبره الأوحد الممكن، أقله لبقاء العرب في التاريخ، فيما بدأ يعاين إخراجهم المنهجي منه، وحتى من غير بطء، على أيدي الأنظمة الأحادية وعسسها، وهي هي التي هندست انقلاباتها العسكرية، وتأبيد حكمها المطلق، باسم القضية الفلسطينية. لقد استغرب أحد كبار القادة العرب أن يكون مقصود "شيخ العروبة" وهو يحمل هذا الاسم. لم يأبه كلوفيس، بل ثابر على الحلم مؤكداً ما ذهب إليه شكسبير في واحدة من تراجيدياته: "إننا نشبه أحلامنا أكثر ممّا نشبه الوقائع المحدقة بنا".
وهذا حتى بعدما أُسقط في يديه، فحمل رحاله ليحطّها بعيداً عمّا أسماه الشهيد المفكر الكبير كمال جنبلاط "السجن العربي الكبير"، بعدما أسقط في يديه هو الآخر. وكان على وثيق المعرفة به، بل شاركه لفترة، العمل الفكري الكفاحي في مطلع حيوية هذا الرجل اللبناني التاريخي الحضور في لبنان وفي دنيا العرب، وحتى الأبعد منها كذلك."
في الولايات المتحدة الأميركية استقرّ كلوفيس مقصود. لم يتخلّ عن اقتناعاته ولا عن حلمه بالأخص. وظل من موقعه الأكاديمي اللامع يرفع لواء القضية الفلسطينية.
هو وهي صنوان لا يفترقان. هوية واحدة. هي ذاتها الهوية التي قال فيها محمود درويش وجعه الفلسطيني العميق العميق، بعدما حطّ رحاله هو الآخر في بيروت مؤْثراً الإقامة فيها على مصر وسوريا وغيرها من بلدان الأشقاء؛ ومنشداً على رؤوس الأشهاد: "بيروت نجمتنا الوحيدة، بيروت خيمتنا الأخيرة...".
لست أدري ما إذا كان راحلنا الكبير كلوفيس مقصود قد اغتبط بهذا الوجع الفلسطيني الحر. لكنني على ثقة تامة بأنه ودّعنا، وبقلبه ودماغه، يقين قاطع بأن الهوية فعل تغيير. فعل مستقبلي أكثر مما هو فعل ماض. كلوفيس مقصود فلسطيني أبداً. مستقبليّ أبداً. رغم كل الانتكاسات والخيبات التي تُسأل عنها أصلاً السلطات والقيادات العربية، بما فيها القيادات الفلسطينية، والحالية منها بالأخص، وبكل ما تثابر عليه من تواطؤ ومن استسلام. لكن هذا كله، لم يلغِ القضية الفلسطينية. لن يقوى على إلغائها. رهان كلوفيس مقصود لم يكن على هذه القيادات أصلاً، لا سيما بعدما أدرك معدنها وهواجسها المتشبثة بكراسي الحكم، مستقوية إلى ذلك بالمتاجرة بهذه القضية.
هذه القضية باقية لبّ المشكلة، ولبّ الصراع. فأبناء الشعب الفلسطيني، أطفاله بخاصة وأبناؤه، هم من يحملون الراية انتفاضة تلو انتفاضة تلو انتفاضة، وإن بالحجارة والسكاكين، يتابعون مسيرة أجداد أجدادهم، وآبائهم، ويتعلمون أكثر فأكثر كيف ينضجونها، وكيف يبنون زعزعة هذا الكيان الصهيوني لَبِنَةً لبنة، جيلاً بعد جيل. من هذا النبع الذي لا ينضب ارتوى حلم كلوفيس مقصود. ولم يتقاعد.
(ميشال إده - السفير)