من المسلم به أن قداس تطويب البطريرك الياس الحويك في الديمان لم يكن مناسبة كنسية فحسب، بل تحوّل إلى حدث وطني استعاد واحدة من أبرز الشخصيات المؤسسة للبنان الكبير، وجمع تحت سقف البطريركية المارونية رؤساء الدولة وكبار المسؤولين والقيادات السياسية والدبلوماسية والروحية، في مشهد أرادت له الكنيسة أن يتجاوز الإطار الديني ليحمل رسالة وطنية في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان.
وفي خضم هذا الحضور الرسمي الواسع، برز غياب رئيس مجلس النواب نبيه بري بصفته الرسمية عن الاحتفال، ما فتح باب التساؤلات حول خلفيات هذا الغياب، ولا سيما أن المناسبة لم تُقدَّم على أنها احتفال كنسي خاص، بل كاستذكار لشخصية لعبت دوراً محورياً في ولادة الكيان اللبناني وفي تثبيت فكرة الدولة الجامعة.
ولم يصدر عن عين التينة أي تفسير رسمي لهذا الغياب، الأمر الذي أبقى الباب مفتوحاً أمام قراءات متعددة، تتراوح بين أسباب بروتوكولية أو ارتباطات مسبقة، وبين من رأى أن للغياب أبعاداً سياسية مرتبطة بطبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان وبالرسائل التي حملتها المناسبة.
فالبطريرك الياس الحويك لا يُختصر في كونه رأس الكنيسة المارونية في مرحلة تاريخية مفصلية، بل يُعد إحدى الشخصيات التي ارتبط اسمها بإعلان لبنان الكبير وبالدفاع عن قيام دولة تجمع مختلف مكوناتها ضمن كيان واحد. ومن هذا المنطلق، سعت البطريركية إلى إعطاء التطويب بعداً وطنياً واضحاً، وهو ما انعكس في طبيعة الدعوات الرسمية وفي مضمون الكلمات التي ألقيت خلال الاحتفال.
ويرى متابعون أن حضور الرئيس بري، بصفته رئيساً للسلطة التشريعية وأحد أركان الدولة، كان سيضيف إلى المناسبة بعداً وطنياً جامعاً، ويؤكد أن تكريم البطريرك الحويك يتجاوز الانتماءات الطائفية والسياسية، باعتباره أحد الآباء المؤسسين للدولة اللبنانية الحديثة.
في المقابل، تحذر أوساط سياسية من الذهاب بعيداً في تفسير الغياب من دون معطيات واضحة، معتبرة أن الحياة السياسية اللبنانية اعتادت تحميل الحضور والغياب أكثر مما يحتملان، فيما قد تكون الأسباب مرتبطة باعتبارات تنظيمية أو ارتباطات رسمية لا تحمل أي رسائل سياسية.
إلا أن توقيت المناسبة، وما رافقها من تأكيد متكرر على دور الحويك في تأسيس لبنان الكبير، أعطيا للغياب بعداً رمزياً لا يمكن تجاهله. فالبلاد تعيش اليوم مرحلة يعاد فيها النقاش حول مفهوم الدولة، وحصرية قرارها، ومستقبل نظامها السياسي، وهي العناوين نفسها التي حضرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في الكلمات التي ألقيت في الديمان، ولا سيما كلمة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، التي شكّلت مراجعة تاريخية ربطت بين مرحلة التأسيس والتحديات التي تواجه الجمهورية اليوم.
ويبقى أن غياب الرئيس بري، سواء كان مردّه اعتبارات شخصية أو بروتوكولية أو سياسية، لم يحجب أهمية المناسبة، لكنه أضاف إليها سؤالاً سياسياً جديداً في بلد تُقرأ فيه الرموز بعناية، وتُفسَّر فيه المواقف، حتى الصامتة منها، على أنها جزء من المشهد العام.
ولعل السؤال الأبرز الذي طرحه هذا الغياب لا يتعلق بشخص الرئيس بري وحده، بل بطبيعة العلاقة بين الذاكرة الوطنية والواقع السياسي الراهن. فهل ما زالت الشخصيات المؤسسة للبنان تشكل مساحة جامعة لكل اللبنانيين، أم أن الانقسامات السياسية باتت تنعكس حتى على المناسبات التي يُفترض أن توحّدهم حول تاريخهم المشترك؟