كتب طوني عيسى في" الجمهورية": مع توقيع صيغة الإطار مع
لبنان، بشراكة أميركية، أوقف الإسرائيليون إلى حدّ بعيد عملياتهم القتالية المباشرة، كالغارات والتوغل، أو قلّصوها إلى الحدود الدنيا. لكنهم في المقابل، صعّدوا بقوة عمليات الهدم والتفجير والجرف والإحراق، للأنفاق، ولكنخصوصاً للمنازل والبنى التحتية المدنية، حتى إنّ بعض القرى والبلدات والمدن تلاشى تماماً عن الخريطة. ومعنى ذلك أنّ
إسرائيل تصرّ على جعل المنطقة الواقعة تحت سيطرتها مساحة غير صالحة للسكن، كما يُحظّر على الأهالي أن يُعيدوا بناءها أو يفكروا في العودة إليها. ولو كان الإسرائيليون يريدون الانسحاب بعد شهر أو اثنين أو سنة، لما كان هاجسهم مسح القرى بكاملها.
في التفكير
الإسرائيلي، خطط للجنوب. فقد قيل إنّه سيكون «منطقة اقتصادية » يطلقون عليها تسمية «منطقة ترامبالاقتصادية »، وقيل إنّ جزءاً من الجنوب سيبقى تحت سيطرة إسرائيل كلياً، بشكل حزام أمني. وقيل إنّ هذا الحزام ربما يوضع تحت سيطرة قوات أطلسية. لكن الإسرائيليين أنفسهم، حتى اليوم، لا يقولون إنّهم سينسحبون من كل الجنوب. وواضح أنّ بنيامين نتنياهو عاد من
واشنطن بضوء أخضر لتحرّك في الجنوب اللبناني، يتقاطع مع النبرة التصعيدية الأميركية الحادة ضدّ
إيران وحلفائها في المنطقة. ويزداد الاقتناع في أوساط لبنانية عدة، بأنّ الديبلوماسية والمفاوضات الحالية ليست سوى غطاء سياسيلتقطيع الوقت، فيما يجري إعداد المنطقة لمتغيّرات جيوسياسيةقاسية تُعيد رسم الحدود بالنار.
تستفيد إسرائيل من بيئة إقليمية ودولية تراها مناسبة لتحقق غاياتها الاستراتيجية. ففي الداخل اللبناني، لا تريد السلطة الرسمية أي تصادم مباشر مع «
حزب الله » في ملف نزع السلاح. وأما على الصعيد الدولي، فليس هناك ضغط حقيقي من إدارة
دونالد ترامب على إسرائيل. وهناك صمت عربي. ولذلك، يجدنتنياهو نفسه أمام فرصة ذهبية لن يتردّد في استغلالها. كمايتصل التصعيد الميداني بواقع السياسة الداخلية
في إسرائيل. فمع اقتراب موعد الانتخابات العامة في الخريف، يجد نتنياهو نفسه في حاجة إلى جرعة دعم نارية، تُقنع ناخبيه وتُثبت جدارته في الحفاظ على أمن المستوطنات الشمالية. ومن هذا المنطلق، يبرز سيناريو التوسع الإسرائيلي الميداني الذي سينطلق من خط علي الطاهر، وقد لا يتوقف إلّا في مرتفعات جبل الريحان. وبذلك، يتمّ فرض واقع ميداني يُعيد المنطقة إلى ما قبل عام 2000 .والأمر لن يقف عند حدود التهجير لمئات الآلاف من السكان وإحداث تغييرديموغرافي قسري، بل سيمتد ليضرب عصب الاقتصاد اللبناني المتهالك اصلاً. وللتذكير، أدّى الخلاف على مساحة بسيطة تُقاس بموقع صخرة في الناقورة إلى خسارة لبنان لمئات الكيلومترات المربعة من حصته المفترضة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتحديداً في البلوك الرقم 9. فإذا كانت خسارة نقطة صخرية قد أطاحت بثروات غازية هائلة، فكيف سيكون المشهد إذا ما خسر لبنان سيطرته السيادية والسياسية على الجزء الأوسع والحيوي من جنوبه؟ لذلك، يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام معادلة وجودية. وإذا لم تستطع الحكومة
اللبنانية التقاط المبادرة المتمثلة بالرعاية الأميركية للمفاوضات، والاستفادة من الثقل السياسي اللبناني في البيئة المحيطة بترامب، فإنّ الجنوب مرشح للعودة إلى واقع احتلالي قد يستمر طويلاً جداً، لأنّ التقاطعات التي فرضت انسحاب إسرائيل في العام 2000 قد لا تكون متاحة أبداً، أو تتأخّر لسنوات أو عقود.