بعد أشهر ثقيلة فرضتها الحرب، تستعيد عاليه وصوفر تدريجياً صورتهما التي يعرفها اللبنانيون والعرب. فالمنطقتان اللتان فتحتا منازلهما ومؤسساتهما لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين، تتحولان اليوم إلى مساحتين للفرح، عبر سلسلة من الاحتفالات والمهرجانات والبرامج الفنية والترفيهية.
في صوفر، انطلقت فعاليات المعرض الصيفي السنوي الثامن تحت عنوان "صوفر للجميع"، الذي تنظمه جمعية سيدات آل شيا برعاية البلدية، على كورنيش صوفر من 5 إلى 9 آب. ويجمع المعرض بين السهرات الفنية وعروض الأطفال والأعمال الحرفية والأشغال اليدوية والرسومات والمنتجات المحلية، في برنامج يفتح أبوابه أمام العائلات والزوار على مدى خمسة أيام.
أما عاليه، فتستضيف للسنة الثالثة على التوالي "مهرجانات عاليه الدولية" بنسخة "رأس الجبل"، من 6 إلى 9 آب. ويتضمن البرنامج حفلات يشارك فيها جوزيف عطية وجورج نعمة والفرقة الأردنية "حرقة كرت"، إلى جانب سوق مفتوح وأجنحة للمأكولات وأنشطة فنية ورياضية وبرامج مخصصة للأطفال والعائلات. وتستكمل المدينة أجواءها الصيفية في 15 آب بأمسية موسيقية يحييها غي مانوكيان.
ولا تقتصر أهمية هذه المهرجانات على الجانب الترفيهي. فعودة الزوار تعني حركة إضافية في المطاعم والمقاهي والفنادق والمحلات، كما تمنح الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة مساحة لعرض منتجاتهم. وهي أيضاً خطوة لاستعادة الثقة بمنطقة دفعت، مثل سائر المناطق
اللبنانية، جزءاً كبيراً من ثمن الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
تمتلك عاليه وصوفر مقومات جعلتهما، منذ عقود، في مقدمة الوجهات السياحية اللبنانية. فعاليه قريبة من
بيروت، لكنها تمنح زائرها مناخاً جبلياً معتدلاً وإطلالات واسعة، إلى جانب سوقها القديم ومطاعمها وفنادقها وحدائق "السمبوزيوم" ومحطة القطار التاريخية. أما صوفر، الواقعة على ارتفاع يقارب 1250 متراً، فتتميّز بهوائها البارد صيفاً وضبابها وبيوتها القديمة وقصورها وإطلالتها على وادي لامارتين.
وبالنسبة إلى السياح العرب، ولا سيما الخليجيين، لم تكن عاليه وصوفر مجرد محطتين عابرتين. فقد شكّلتا لسنوات طويلة وجهة أولى للإقامة الصيفية، واختارت عائلات خليجية كثيرة شراء منازل وتمضية مواسم كاملة فيهما، مستفيدة من المناخ المعتدل والقرب من بيروت وطبيعة الحياة الاجتماعية والسياحية في الجبل.
تاريخ ارتبط بالسياحة
بدأ صعود عاليه السياحي بصورة واضحة مع إنشاء خط سكة الحديد الذي ربط بيروت بدمشق في أواخر القرن التاسع عشر. فقد جعل القطار الوصول إلى المدينة أكثر سهولة، فتحولت إلى مقصد للمصطافين، وازدهرت فيها الفنادق والمطاعم والحفلات، حتى حملت لقب "عروس المصايف".
وفي صوفر، ارتبط التاريخ السياحي بفندق صوفر الكبير الذي شُيّد عام 1885، وتحول لاحقاً إلى محطة للملوك والأمراء والسياسيين والشخصيات العربية والأجنبية. كما ساهم مرور سكة الحديد وموقع البلدة على طريق بيروت–
دمشق في تعزيز دورها كمركز للاستراحة والإقامة الصيفية، فيما بقيت قصورها وفيلاتها شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ السياحة اللبنانية.
اليوم، لا تحاول عاليه وصوفر استعادة الماضي كما كان، بل البناء على ما تملكانه من تاريخ وطبيعة ومرافق وخبرة سياحية. وبين حفلة في عاليه ومعرض على كورنيش صوفر، تعود الحركة إلى الشوارع، ويستعيد الجبل جزءاً من صيفه بعد أشهر غلبت عليها
أخبار الحرب والنزوح.
إنها عودة هادئة إلى الحياة، من منطقتين عرفتا كيف تستقبلان المتضررين في الأيام الصعبة، وكيف تستقبلان الزوار عندما حان وقت الفرح.