تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"علي الطاهر"... معركة على شكل نهاية الحرب

هتاف دهام - Hitaf Daham

|
Lebanon 24
17-08-2026 | 03:00
A-
A+
علي الطاهر... معركة على شكل نهاية الحرب
علي الطاهر... معركة على شكل نهاية الحرب photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تتجاوز أهمية "تلة علي الطاهر" في جنوب لبنان موقعها كمرتفع جغرافي، لتتحول إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية. فإشرافها على النبطية وكفرتبنيت والامتدادات الشرقية، وارتباطها بمنظومة تضاريسية تمتد من النبطية وأرنون إلى قلعة الشقيف وزوطر والمحمودية والمرتفعات الشرقية، يمنحها قيمة ميدانية خاصة. ومع تصاعد التوتر حولها خلال الأشهر الأخيرة، باتت التلة جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسيادة والتفاوض؛ إذ تراها إسرائيل موقعاً يعزز وضعها الدفاعي، ويتمسك لبنان باستعادتها، فيما ينظر إليها حزب الله بوصفها اختباراً لمسار المرحلة المقبلة. وبين هذه الحسابات، تبرز الولايات المتحدة كراعٍ لمسار التسوية، بينما تضيف الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026 بعداً سياسياً إضافياً، لتتحول"علي الطاهر" من موقع عسكري إلى ورقة تفاوضية تتقاطع عندها خرائط الميدان وحسابات السياسة.
Advertisement
ويقول العميد الركن الدكتور بهاء حلال إن الاحتمالين، أي اندلاع جولة حرب جديدة أو أن تكون المعركة جزءاً من المرحلة الأخيرة التي تسبق التسوية، لا يزالان قائمين. إلا أن الأدق في هذه المرحلة هو عدم التعامل مع ما يجري باعتباره مقدمة تلقائية لحرب شاملة، بل باعتباره صراعاً على شروط الانتقال من الحرب إلى التسوية.

فالحرب الشاملة تحتاج إلى قرار سياسي بالعودة إلى نمط العمليات الواسعة، وانتقال من الضربات الموضعية إلى عمليات جوية وبرية متتابعة. أما العمليات حول علي الطاهر، فيمكن أن تبقى ضمن إطار التصعيد المضبوط، من خلال الضربات والضغط الناري والعمليات الهندسية ومحاولات تثبيت السيطرة على المرتفعات، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي. وفي هذا السياق، فإن انتهاء الجولة السادسة من المفاوضات الأميركية ـ اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما في 15 تموز، والتي تناولت آلية تطبيق مناطق الـPilot Zones والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، يشير إلى أن التفاوض لم يتوقف بالكامل رغم التصعيد. لكن الخطر يكمن في أن تتحول علي الطاهر من موضوع تفاوضي إلى مبرر عسكري لتغيير قواعد الاشتباك.

بحسب حلال، تكتسب علي الطاهر أهميتها العسكرية من موقعها ضمن بيئة جبلية تسمح بالسيطرة البصرية وتحسين المراقبة والتحكم بالحركة في الوديان والطرق والمحاور المحيطة. فهي تطل غرباً على النبطية، وجنوباً باتجاه كفرتبنيت، وشرقاً باتجاه مناطق جبلية وأحراج، ما يجعلها جزءاً من شبكة أوسع للسيطرة على القطاع. كما أن المرتفعات المحيطة بها تؤدي وظيفة في الحد من فعالية الصواريخ المضادة للدروع، وهو ما يفسر الاهتمام الإسرائيلي بها وبالمواقع المرتفعة القريبة، ولا سيما قلعة الشقيف وكفرتبنيت. لكن أهمية علي الطاهر لا تنحصر في السيطرة على نقطة منفردة، إذ إنها جزء من منظومة تضاريسية مترابطة تمتد نحو زوطر ودير سريان والمحاور الشرقية. ومن هنا يمكن للسيطرة عليها أن تمنح إسرائيل قدرة أكبر على المراقبة والتحكم، من دون أن يعني ذلك أنها تشكل بالضرورة منصة للانطلاق في اتجاه صيدا. والأرجح أن الهدف الإسرائيلي هو إحكام السيطرة على الحزام الجبلي الذي يؤثر في البيئة الأمنية شمال الحدود، لا تنفيذ عملية هجومية باتجاه صيدا.

«عماد 4»... بعد آخر للمعركة
وتكتسب المعركة بعداً إضافياً مع ما يتردد عن وجود منشأة تحت الأرض تُعرف باسم «عماد 4». فقد تحدثت تقارير لبنانية وإسرائيلية عن ارتباط المعارك حول التلة بمحاولة الوصول إلى هذه المنشأة، التي وُصفت بأنها تضم شبكة أنفاق ومراكز قيادة وسيطرة ومنشآت تخزين. لكن حلال يشدد على ضرورة التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها تقارير لم يثبت استقلالياً التحقق منها بالكامل، لا باعتبارها حقيقة استخبارية معلنة. ومع ذلك، فإن وجود منشأة عسكرية محصنة تحت الأرض في موقع استراتيجي، بصرف النظر عن اسمها، يمنح المعركة أهمية إضافية. فإذا نجحت إسرائيل في تدميرها أو السيطرة عليها، فإنها لا تحقق مكسباً عسكرياً فقط بإزالة بنية تحتية محصنة، بل قد تحصل، بحسب حلال، أيضاً على معلومات استخبارية عن شبكة الأنفاق والقيادة والاتصالات، فضلاً عن مكسب نفسي وسياسي يتمثل في ضرب صورة القدرة على إنشاء منشآت عسكرية محصنة تحت الأرض. والفارق الأساسي، وفق العميد حلال، يكمن بين منع استخدام التلة وامتلاكها. فالقصف الجوي يستطيع تدمير منشأة أو تعطيل قدرة عسكرية، لكنه لا يمنح السيطرة على الأرض. أما السيطرة البرية فتسمح بإدخال المرتفع ضمن منظومة أمنية قائمة على المراقبة والسيطرة. ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بعلي الطاهر وحدها، وإنما بإمكانية ربطها بسلسلة من المرتفعات الأخرى، وصولاً إلى قلعة الشقيف والطهرة والدبشة والميدنة وسجد والريحان وجبل الرفيع. وهنا تكمن خطورة المشهد، بحسب العميد حلال، فإسرائيل لا تفاوض فقط على الانسحاب من الأرض، بل على طبيعة الأرض التي ستنسحب منها. والأخطر ليس أن تحتل علي الطاهر ثم تتجه إلى صيدا، وإنما أن تتحول التلة إلى عقدة ثابتة ضمن منظومة أمنية إسرائيلية شمال الليطاني.

الجيش في قلب المعادلة
أما طرح تسليم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، فيبقى، وفق المعطيات المتوافرة، جزءاً من النقاش السياسي وليس اتفاقاً نهائياً مثبتاً. فقد تحدثت تقارير عن نقل المسؤولية إلى الجيش، وعن مطالب إسرائيلية بتفتيش الأنفاق وتمركز الجيش في المنطقة قبل الانسحاب، لكن لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بوجود صفقة رسمية ومتكاملة بين الدولة اللبنانية وحزب الله حول الموقع.

ومن هنا، فإن السؤال بالنسبة إلى حزب الله، وفق العميد حلال، لا يقتصر على تسليم تلة، بل يتصل بما إذا كان هذا التسليم سيشكل سابقة يمكن أن تُطبّق لاحقاً على مناطق أخرى شمال الليطاني. فالمخاوف لا تتعلق بالخسارة الجغرافية الحالية فقط، بل بإمكانية تحولها إلى قاعدة لمطالب مستقبلية، وهو ما يجعل علي الطاهر خطاً تفاوضياً بقدر ما هي خط جغرافي. وفي المقابل، يمكن أن تتحول التلة إلى مخرج لبناني إذا توافرت ضمانات حقيقية. والمعادلة الممكنة تقوم على انسحاب إسرائيلي من منطقة محددة، وانتشار حصري للجيش اللبناني، وآلية تحقق مقبولة، ومنع أي وجود مسلح غير رسمي، ثم عودة السكان. وهذا المنطق يقترب من فلسفة اتفاق 26 حزيران، القائم على انتقال تدريجي للمسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، بالتوازي مع إعادة الانتشار الإسرائيلي بعد التحقق من تفكيك البنية العسكرية. غير أن العقدة تكمن في تسلسل الخطوات: لبنان يريد الانسحاب أولاً ثم انتشار الجيش، بينما تريد إسرائيل إثبات زوال الخطر أولاً قبل الانسحاب. ومن هنا تتحول آلية الانسحاب نفسها إلى موضوع تفاوض.

لا شك في أن التلة تحمل وظائف متعددة في الحساب الإسرائيلي. فالاحتفاظ بها يوفر ورقة أمنية، وتدمير منشأة عسكرية يمثل إنجازاً عملياتياً، وإظهار السيطرة عليها يمنح مكسباً سياسياً، فيما يمكن أن يشكل إبقاؤها حتى ما بعد الانتخابات ورقة تفاوضية، لكن العامل الانتخابي لا يعني بالضرورة، بحسب حلال، أن نتنياهو يحتاج إلى احتلال التلة للفوز، بل إن حاجته الأساسية هي إظهار أنه لم ينسحب من لبنان من دون تحقيق أهداف أمنية. وهنا تظهر مفارقة الدبلوماسية القسرية: فكلما ارتفع الضغط العسكري، قد ترتفع في الوقت نفسه قيمة التفاوض. إذ تستطيع إسرائيل استخدام القوة لتحسين موقعها الميداني، ثم العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أقوى، من دون أن يكون هدفها بالضرورة تحقيق انتصار عسكري شامل.

في ضوء هذه المعطيات، يطرح العميد حلال أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المعركة.

الأول: التصعيد المحدود. تستمر الضربات الإسرائيلية وتستهدف البنية العسكرية من دون عملية برية واسعة، مع بقاء المفاوضات. وهذا السيناريو يبدو الأكثر احتمالاً على المدى القصير.

الثاني: تثبيت السيطرة الإسرائيلية. تنجح إسرائيل في الاحتفاظ بالمرتفع وتحويله إلى نقطة مراقبة وسيطرة، ما يرفع القيمة التفاوضية لإسرائيل ويؤخر الانسحاب، وهو السيناريو الأكثر خطورة على المدى المتوسط.

الثالث: تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني. تدمج علي الطاهر في نموذج المنطقة التجريبية، بحيث تتحول التلة من نقطة اشتباك إلى اختبار لسيادة الدولة، وهو السيناريو الأكثر إيجابية إذا اقترن بضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي.

أما الرابع: انهيار آلية التفاوض.
فتتوسع العمليات من علي الطاهر إلى مجموعة من المرتفعات والمحاور، وتسقط قاعدة التصعيد المضبوط، بما قد يفتح الباب أمام جولة حرب جديدة.

وعليه، من الخطأ الاستراتيجي، بحسب العميد حلال، أن يتحول الهدف اللبناني إلى مجرد منع إسرائيل من السيطرة على تلة. فالهدف الأوسع يجب أن يكون منع تحويل السيطرة المؤقتة على أي مرتفع لبناني إلى حق أمني دائم لإسرائيل.

وهنا تبرز أهمية الجيش ، ليس فقط باعتباره قوة تنتشر على الأرض، بل باعتباره البديل الواقعي القادر على استلام المناطق التي ينسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وضبط أمنها، ومنع نشوء فراغ أمني. ومن هذه الزاوية، يصبح انتشار الجيش في الجنوب أداة أمنية وتفاوضية في آن واحد.

في المحصلة، لا تبدو معركة علي الطاهر، في وضعها الراهن، مجرد معركة عسكرية منفصلة، ولا تبدو بالضرورة مقدمة حتمية لحرب شاملة. إنها معركة، كما يقول العميد حلال، على شكل نهاية الحرب. فاسرائيل تريد دخول التسوية وهي تقول: «لقد أزلنا الخطر، ولذلك يجب أن تتم ترتيبات الانسحاب وفق شروطنا"، ولبنان يريد دخولها بالقول: «إذا زال الخطر، فلا مبرر لبقاء الجيش الإسرائيلي». وحزب الله يريد منع تحول الانسحاب الإسرائيلي إلى مدخل لفرض ترتيبات داخلية حول السلاح تحت الضغط العسكري. اما الولايات المتحدة، فتسعى إلى صيغة وسطية تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتسلم الجيش اللبناني للأرض، والتحقق من إزالة البنية العسكرية غير الحكومية.

لكن يبقى السؤال الأصعب، بحسب العميد حلال، من يقرر أن المنطقة أصبحت آمنة بما يكفي للانسحاب؟ اذا كانت الإجابة إسرائيل، فقد يصبح الانسحاب مفتوحاً زمنياً. وإذا كانت الإجابة لبنان وحده، فلن تقبل إسرائيل. أما إذا كانت هناك آلية تحقق أميركية ـ دولية مستقلة وملزمة زمنياً، فقد تتحول علي الطاهر من شرارة محتملة لحرب جديدة إلى نموذج لتسوية قابلة للتطبيق. ولهذا فإن المؤشر الأخطر بعد تصعيد 15 آب ليس عدد الغارات على التلة، بل ما إذا كانت إسرائيل ستنتقل من استهداف البنية العسكرية حولها إلى توسيع نطاق السيطرة الجغرافية وربطها بمرتفعات أخرى. وعندها فقط يمكن القول، بحسب العميد حلال، إن قواعد اللعبة انتقلت من الضغط التفاوضي إلى التحضير لجولة عمليات جديدة. وهنا تكمن معركة لبنان الحقيقية: ليس فقط منع سقوط مرتفع، بل منع سقوط مبدأ الانسحاب نفسه.
 
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

هتاف دهام - Hitaf Daham