يستكمل "لبنان24" ملف صناعة اللاعب اللبناني. فبعدما تناول في الجزء الأول واقع الأكاديميات(لقراءة المقال اضغط هنا)، والرسوم التي تدفعها العائلات في مقابل التدريب، ننتقل في هذا الجزء إلى المرحلة التالية: ماذا يحصل عندما يُقال للأهل إن ابنهم أصبح جاهزاً لخوض اختبار في الخارج؟
هنا تبدأ دفعة جديدة من المال. تسجيل في معسكر، تذكرة سفر، إقامة، تصوير مقاطع احترافية، إعداد ملف للاعب وأحياناً بدل يدفع إلى وسيط يَعِد بإيصاله إلى نادٍ
أوروبي. وقد تتحمل العائلة كل هذه النفقات من دون أن تعرف بدقة ما الذي تشتريه: اختباراً رسمياً أمام كشافي النادي، أم برنامجاً تدريبياً تجارياً مفتوحاً لكل من يستطيع الدفع؟
معسكر وليس عقداً
المشاركة في معسكر يحمل اسم نادٍ معروف لا تعني أن اللاعب يخضع لاختبار من أجل التعاقد معه. بعض البرامج تنظمها شركات خاصة تستأجر ملاعب النادي أو تتعاون معه لاستخدام اسمه ومدربيه، فيما تبقى النتيجة مجرد تجربة تدريبية وشهادة مشاركة.
ولا توجد مشكلة في المعسكر التجاري عندما يُعرض على حقيقته. المشكلة تبدأ حين يُقدَّم للأهل على أنه بوابة شبه مضمونة للاحتراف، أو حين تُستخدم صور اللاعب داخل منشآت النادي لإقناع عائلات أخرى بأن مشاركين سابقين أصبحوا قريبين من توقيع عقود.
الاختبار الجدي يفترض وجود دعوة واضحة تحدد اسم النادي والفئة العمرية وموعد التجربة وصفة الشخص المسؤول عن تقييم اللاعب. كما يجب أن يعرف الأهل مسبقاً ما إذا كانت المشاركة مجانية أو مدفوعة، ومن يتحمل نفقات السفر، وما الذي يحصل إذا أُلغيت التجربة.
أما عبارة "سيشاهدك كشّافون أوروبيون" فلا تكفي. يجب معرفة أسمائهم والأندية التي يعملون معها، وما إذا كانوا يملكون صلاحية ترشيح اللاعبين أو أنهم يحضرون ضمن نشاط تدريبي فقط.
الوكيل ليس مجرد صاحب علاقات
تضع لوائح "فيفا" فاصلاً واضحاً بين الوكيل المرخص له وأي شخص يقدم نفسه بوصفه وسيطاً. فالقيام بمفاوضات أو اتصالات تهدف إلى إبرام عقد أو انتقال لاعب يحتاج إلى رخصة رسمية، كما يجب توقيع اتفاق تمثيل مكتوب يحدد الخدمة المطلوبة ومدتها وقيمة البدل وتواقيع الأطراف. وتصبح الشروط أكثر تشدداً عندما يكون اللاعب قاصراً. فلا يجوز للوكيل التواصل بهدف توقيع اتفاق تمثيل معه إلا ضمن مهلة محددة تسبق السن القانونية التي تسمح له بتوقيع أول عقد احترافي، وبعد الحصول على موافقة خطية من ولي أمره. كما يتوجب على الوكيل اجتياز تدريب خاص بالتعامل مع القاصرين.
لكن بعض العروض لا تُقدَّم تحت صفة "وكيل". فقد يظهر الوسيط بصفة مستشار
رياضي، أو منظم رحلات، أو مسؤول عن تطوير المواهب. تغيير الصفة لا يبدل طبيعة العمل إذا كان الشخص يتقاضى المال مقابل وعد بالتفاوض مع نادٍ أو تأمين عقد للاعب. لذلك، لا يكفي أن يعرض الوسيط صوراً مع لاعبين أو مسؤولين رياضيين. المطلوب التأكد من رخصته، والحصول على عقد وفاتورة، وتحديد الخدمة التي سيتقاضى المال مقابلها. فعبارات مثل "فتح أبواب
أوروبا" أو "تأمين فرصة احتراف" لا تشكل التزاماً يمكن محاسبة أحد عليه.
القاصر قد يسافر… لكن تسجيله ليس سهلاً
في هذا السياق، يقول مصدر رياضي متابع لـ"لبنان24" إنّ السفر إلى الخارج للمشاركة في معسكر أو تجربة لا يعني أن النادي يستطيع تسجيل اللاعب. فلوائح "فيفا"تحظر، من حيث المبدأ، الانتقال الدولي للاعبين دون 18 عاماً، ولا تسمح به إلا ضمن ست حالات محددة وبعد الحصول على موافقة مسبقة. دليل انتقال اللاعبين القاصرين وهذا يعني أن أي وعد بتسجيل لاعب قاصر فوراً في نادٍ أجنبي يحتاج إلى تدقيق قانوني قبل دفع المال. فقد ينجح اللاعب في الاختبار، لكن عمره أو وضع أسرته أو إقامته يمنع إتمام انتقاله في تلك المرحلة.
وفي آذار 2026، أطلقت "فيفا" دليلاً موجهاً إلى أهالي اللاعبين بعد تسجيل حالات استهدفت فيها عائلات من أشخاص ادعوا أنهم وكلاء، وقدموا وعوداً غير مثبتة بإجراء اختبارات، أو طلبوا أموالاً مقابل خدمات لم تُنفذ.
أين تبدأ المسؤولية؟
وحسب المصدر، لا تقع المسؤولية على الأهل وحدهم. فالأكاديمية التي ترشح لاعباً إلى اختبار خارجي يجب أن توضح طبيعة علاقتها بالجهة المنظمة، وما إذا كانت تحصل على حصة من المبلغ، وعدد اللاعبين الذين أرسلتهم سابقاً، وعدد من وقعوا عقوداً فعلية.
أضاف:" كذلك، يحتاج الاتحاد اللبناني
لكرة القدم إلى توفير قناة واضحة يستطيع الأهل من خلالها التحقق من صفة الوكيل، والإبلاغ عن العروض المشبوهة، ومعرفة القواعد التي تحكم التعامل مع القاصرين. فترك العائلة وحدها أمام إعلان على وسائل التواصل أو رسائل خاصة يمنح الوسطاء مساحة للعمل من دون رقابة فعلية".
وعليه، بعد رسوم الأكاديميات، تظهر إذاً فاتورة ثانية عنوانها "الاحتراف في الخارج". وقد تكون فرصة حقيقية، كما قد تكون رحلة مكلفة لا تنتج أكثر من الصور. والفارق بين الحالتين لا تحدده الوعود، بل اسم الجهة، ورخصة الوسيط، والعقد المكتوب، والنتيجة التي يمكن إثباتها.