قفزت إلى الواجهة تصريحات مثيرة للجدل أطلقها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، الذي قال إن "أي تسوية جدية في لبنان لا بد أن تشمل حزب الله وإيران"، معتبراً أن جمع الأطراف اللبنانية حول طاولة واحدة لا يكفي إذا لم يأخذ المسار التفاوضي في الاعتبار "بنية القوة الفعلية" في لبنان. وتساءل: "كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين؟".
وكتبت "الديار": فجّر المبعوث الأميركي توم براك مفاجأة سياسية لافتة، عندما وضع إصبعه على عقدة من يملك فعليا قرار التسوية في لبنان، معتبرا أن طاولة التفاوض اللبنانية ـ "
الإسرائيلية" تفتقد أطرافًا قادرين على اتخاذ القرار، ومشيرا إلى
إيران وحزب الله في هذا السياق.
وتفتح هذه المواقف بابًا واسعًا أمام الأسئلة حول المرحلة المقبلة من المفاوضات: هل ترى
واشنطن أن الصيغة الحالية استنفدت قدرتها على تحقيق اختراق؟ وهل يمهّد كلام براك للبحث عن آلية سياسية أوسع، تتجاوز المفاوضات التقنية والعسكرية القائمة حالياً؟
لكن اللافت أن براك لم يحصر انتقاداته بالجانب اللبناني. ففي سوريا، وجّه انتقادا واضحا إلى "
إسرائيل" على خلفية قصف قاعدة أبو الظهور، محذرا من أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى تداعيات خطرة مع تركيا، وكشف أن أنقرة اقتربت من التفكير في رد عسكري. كما أشار إلى احتمال حصول خلل أو سوء تواصل داخل الجانب
الإسرائيلي بشأن الضربة، فيما رد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بعنف على كلامه، ووصفه بأنه يتضمن "مغالطات".
وذهب براك أبعد من ذلك، عندما وصف الجولان بأنه أرض سورية لا تزال "إسرائيل" تحتلها، مستندا إلى القرارات الدولية، في موقف أثار اعتراضا إسرائيليا علنيا، وفتح سجالا لافتا بين المبعوث الأميركي وحكومة بنيامين نتنياهو.
وبذلك، ترسم تصريحات براك صورة أميركية أكثر قلقا من مسار المنطقة: مفاوضات لبنانية لا تضم، وفق رؤيته، جميع أصحاب القرار، واحتكاك "إسرائيلي" ـ
تركي كاد يخرج عن السيطرة في سوريا، وخلاف أميركي ـ "إسرائيلي" يخرج إلى العلن حول حدود الحركة العسكرية الإسرائيلية. وهي عناصر تعزز السؤال الذي يفرض نفسه أيضا في الجنوب اللبناني: هل لا تزال واشنطن قادرة على ضبط إيقاع حلفائها ودفعهم نحو التسويات، أم أن الوقائع الميدانية بدأت تسبق الديبلوماسية؟
مرونة حزب الله
في المقابل، وعلى وقع استمرار الغارات والتفجيرات في عدد من البلدات الجنوبية، برز تصريح مفاجئ لعضو المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي قال فيه إن "الحزب" لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام احتمال التواصل المباشر مع
الأميركيين، مشيرًا إلى أن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة.
أضاف: "المقاومة اتخذت قراراً بالصبر وإعطاء فرصة للمسار السياسي القائم، بهدف الوصول إلى التحرير الكامل وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية".
وأكد قماطي أن "المقاومة ما تزال قوية وقادرة، وأن عدم الرد على كل اعتداء لا يعني ضعفاً أو عجزاً"، مشدداً على أن "أي محاولة إسرائيلية للتقدّم واحتلال أراضٍ أو نقاط جديدة ستواجهها المقاومة بما يتناسب مع طبيعة التطور الميداني".
وفي ملف علي الطاهر، أكد أن "قرار المقاومة الحالي هو الصمود والتصدي، مع دراسة جميع الخيارات المتعلقة بالموقع"، نافياً نفياً قاطعاً "وجود أي مقاتل إيراني في صفوف المقاومة في جنوب لبنان". وقال إن "
العقوبات والحصار المالي لن يدفعا "حزب الله" إلى التراجع عن مشروع المقاومة أو التخلي عن أهله وبيئته".
وقال قماطي إن "أنصار الله في اليمن أبدوا استعدادهم لإغلاق باب المندب في حال الإطباق على المقاومة وشعبها في لبنان، ووضع مفتاحه بيد المقاومة".
مصدر سياسي متابع علق بالقول لـ"نداء الوطن" إن موقف قماطي ليس زلّة لسان بل رسالة مباشرة إلى الأميركيين، توحي بأن "الحزب" بات مقتنعًا بأن قوته السياسية والعسكرية ليست كما في السابق وحتى لم تعد تكفيه ليدير البلاد وفق المصلحة
الإيرانية، وهذا ما أظهرته سلسلة من المحطات السياسية والأمنية في الفترة الأخيرة.
ويضيف المصدر أن "الحزب" الذي أصبح يدرك ألا عودة عن مسار التفاوض الذي تسلكه السلطة بكل عزم على إنجاحه، سيسعى لتحقيق مكتسبات تعوّضه عن خسائره المتتالية في الميدان وفي الحياة السياسية، وربما يكون هذا هدف رسالة الانفتاح تجاه
الولايات المتحدة الأميركية، علمًا أنه سبق واتهم العهد والحكومة بـ"الخيانة العظمى" عندما دخلت السلطة في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية.
وكتبت "الديار": يراقب حزب الله مسار الاتصالات من زاوية مختلفة، إذ تبقى بالنسبة إليه مسألة الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات أساسية، قبل الحديث عن خطوات إضافية مرتبطة بالسلاح والمواقع العسكرية.
وهنا، تكمن إحدى العقد الأكثر حساسية أمام الدولة اللبنانية، لأن أي معالجة للملف يجب أن تحصل تحت سقف المؤسسات ومن خلال الجيش، ومن دون أن تتحول الضغوط الخارجية إلى مواجهة داخلية.
وتشير الأجواء السياسية إلى أن المرحلة المقبلة ستتركز على محاولة إيجاد صيغة، تربط الخطوات بعضها ببعض: خطوة إسرائيلية تقابلها خطوة لبنانية، بما يسمح للدولة بتوسيع حضورها تدريجياً، من دون أن يظهر الأمر وكأنه تنفيذ أحادي الجانب.