كتب طوني عيسى في" الجمهورية":العارفون يقولون إن إبداء "
حزب الله" ليونة في مسألة التفاوض مع واشنطن لا تعتبر فعلاً عن استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، لأن الأثمان المطلوبة منه لا تقل عن تفكيك هيكلياته بكاملها أي الزوال. وهذا أمر سيبقى يرفضه حتى النهاية.
لذلك، تبدو التسريبات عن إمكان العودة إلى صيغة التفاهمات المباشرة مع "حزب الله"، على غرار مرحلة عاموس هوكشتاين وترتيبات الثنائية الشيعية، مجرد "طواحين هواء". وحتى توم براك الذي دعا أخيراً إلى إشراك
إيران و"الحزب" في طاولات التفاوض الجارية تراجع ليعلن أن الحوار محصور بالدولة
اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وليس هناك إدارة في واشنطن اليوم، ولا حكومة
في إسرائيل، تتجه إلى تقديم صفقات مريحة إلى محور يستنزف ميدانياً وسياسياً واقتصادياً.
وفي الواقع، تندرج أوهام التفاوض والتهدئة في خانة المناورات المكشوفة من الطرفين. فهي من جهة إيران والحزب محاولة لتقطيع الوقت أملاً في تبدل الرؤساء والخطط، ومن جهة واشنطن مجرد استخدام لتكتيك "العصا والجزرة". فـ "الحزب"، كما سائر مكونات المحور
الإيراني، لا يملك ما يقدمه من أوراق قوة لعقد صفقة متوازنة مع
إسرائيل أو
الولايات المتحدة. وحتى النظام الإقليمي السنّي ليس في وارد السماح لطهران باستعادة أوراقها في
الشرق الأوسط. فاللحظة التاريخية الحالية التي يتمسك بها نتنياهو وترامب لا تستهدف في الواقع تحسين شروط التفاوض، بل تجريد المحور من أوراقه بالكامل. ولذلك، يمكن الاستنتاج أن صفقات الماضي التي كانت تُعقد مع "الحزب" أو إيران وحلفائها الآخرين قد انتهت بانتهاء المرحلة السابقة، وإلى غير رجعة.
وكتب عماد مرمل في" الجمهورية": عيون اللبنانيين تبدو جميعها شاخصة نحو تلة علي الطاهر، وإذا كان الجانب
الإسرائيلي قد تعمّد المبالغة في تقدير حجم أهمية مرتفعات علي الطاهر، ربطاً بحسابات سياسية وانتخابية لبنيامين نتنياهو، إلا أن «حزب الله» يتفادى الانسياق خلف البروباغندا
الإسرائيلية ولعبة نتنياهو.
وبينما لا يوحي الحزب بالاستعداد لقبول أي من عروض المساومة المتداولة، أصبحت مرتفعات «علي الطاهر» في جانب منها مساحة للسباق بين مصلحة ترامب في تجنّب التصعيد الكبير لبنانياً وإقليمياً، وبين مصلحة نتنياهو في حصوله، بغية استثماره في صناديق الاقتراع، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان رئيس الأميركي سيظل قادراً على ضبط إيقاع رئيس وزراء الاحتلال حتى نهاية تشرين الأول المقبل، أم أن الأخير قد يتفلّت في لحظة ما من اعتبارات ترامب،
ويخوض معركة السيطرة على تلة علي الطاهر لتسييلها إلى أصوات في انتخابات، هي مسألة حياة أو موت بالنسبة إليه؟
ومن بين الاقتراحات التي يُبحث فيها لنزع فتيل مرتفعات علي الطاهر، أن يبادر «حزب الله» إلى تسليمها للجيش اللبناني، وبذلك يمنع تمدّد الاحتلال الإسرائيلي إلى أماكن جديدة، وينقذ مقاتليه المحاصرين الذين سيكون بإمكانهم الانسحاب من المنشأة. ومع أن الحزب لم يقفل الباب على درس كل الخيارات، إلا أن العارفين يلفتون إلى أن احتمال موافقته على دخول الجيش اللبناني إلى مرتفعات علي الطاهر مستبعد، للاعتبارات الآتية:
الخشية من أن تلجأ قوات الاحتلال لاحقاً إلى اقتحام المكان والإطباق عليه، في ظل عجز الجيش عن مواجهتها والتصدّي لها بالقوة العسكرية.
إن الجيش نفسه لا يبدو متحمّساً لاستلام المنشأة ما لم يتلقَّ ضمانات حقيقية بأن قوات الاحتلال لن تدخل إليها بعد انتشاره فيها.
إن انسحاب الحزب طوعاً من مرتفعات علي الطاهر سيصبح سابقة سيحاول الإسرائيلي البناء عليها، بالتالي ستشجّعه على استنساخها وتكرارها في مناطق أخرى.
إن ثقافة الحزب لا تتقبّل خيار التسليم أو الاستسلام، بل تتمسك بمبدأ القتال والمواجهة حتى أقصى الحدود الممكنة، مع الأخذ في الحسبان إمكانية إخلاء هذه البقعة أو تلك تبعاً للمقتضيات الميدانية، انطلاقاً من استراتيجية الدفاع المرن التي لا تتمسك بالجغرافيا بل تستند إلى رفع كلفة التقدّم والاحتلال على القوى المهاجمة.