كتب أحمد الحاج في" النهار": تُظهر دراسة حتى 18 آب 2026 حجم ما يمكن تسميته "منطقة الحرب"، وتضم المنطقة "المحتلة" والمنطقة "المحاذية" لها. قبل حرب الإسناد، كان يقيم فيها نحو 190,860 نسمة في 75 بلدة: 156,160 مقيما دائما في 63 قرية داخل المنطقة المحتلة، و34,700 شخص في 12 قرية محاذية. وتبلغ مساحتها524.02 كم2، أي نحو 5% من مساحة لبنان وتحتل، حتى الآن، 39.2% من مساحة محافظة النبطية و11.7% من محافظة الجنوب ابرزها ظاهرا في قضائي بنت
جبيل (69.7%) ومرجعيون (66.8%).
ووفق طبقة استخدامات الأراضي لعام 2017، كانت 38% منها أراضي زراعية، أي نحو 199 كم2، فيما شكّلت الزراعة الحقلية المروية 25.6% من المساحة. أما بساتين الزيتون فكانت تمتد على 3,873 هكتارًا، أي7.4% من المنطقة، بإنتاج سنوي تتجاوز قيمته23 مليون دولار. هذه ليست أرقامًا عن الأرض فحسب، بل عن مجتمع عاش منها: من الحقل والزيتون والمياه والمواسم.
بالاستناد إلى بيانات البلديات، والتواصل مع بعض أعضائها والنازحين، وصور الأقمار الاصطناعية وتقديرات نسب الدمار، قُدّر تدمير66,956 وحدة سكنية كليًا داخل المنطقة المحتلة و250 وحدة في القرى المحاذية. كما دُمّرت كليًا12,239 وحدة تجارية وصناعية داخل المنطقة المحتلة و325 في محيطها، ليصل مجموع الوحدات المدمرة كليًا داخل المنطقة المحتلة وحدها إلى 79,195 وحدة. للأسف، أرقاما مرشحة الى المزيد بسبب عدم توقف الاعتداءات
الإسرائيلية اليومية. لكن المنزل ليس سوى بداية الخسارة. فقد كانت الأراضي المروية تحتاج قبل الحرب إلى نحو71 مليون م3/سنة من مياه الري، فيما قُدّرت فقط حاجة السكان المقيمين إلى مياه الشرب بنحو10 ملايين م3/سنة، على أساس140 ليتر/يوم للفرد. هنا يصبح الماء جزءًا من قصة الأرض.
تكشف قياسات مكانية أجريتها باستخدام نظم المعلومات الجغرافية أن السيطرة العسكرية الاسرائيلية امتدت لنحو17 كيلومترًا من مجرى الليطاني أسفل قلعة الشقيف، التي تشرف على النهر. وتكتسب هذه المسافة أهمية خاصة لأنها تشمل محيط محطة الطيبة، إحدى العقد الرئيسية في مشروع القناة 800. فالمشروع صُمم لنقل نحو110 ملايين م3/سنة من مياه بحيرة القرعون، منها90 مليونًا للري و20 مليونًا لمياه الشرب، بهدف ري نحو15 ألف هكتار ضمن 12 قطاعًا، مع اختلاف محدود في المساحات المستهدفة بين مراحل المشروع ووثائقه. كان يفترض أن يحوّل هذا المشروع مياه نهر الليطاني إلى زراعة ودخل واستقرار. لكن محطة الطيبة دُمّرت، كما دُمّرت محطة الكهرباء التي تغذيها عام 2024. ومع وجود أجزاء أساسية من منظومة القناة 800 ضمن نطاق السيطرة العسكرية، تصبح المسألة أكبر من إعادة بناء محطة. إنها تتعلق بإمكان استئناف مشروع تنموي كامل أُنفقت عليه
سنوات من العمل والمال. فإذا تعذر الوصول إلى المنشآت التي تنقل المياه، يصبح الماء الموجود في النهر عاجزًا عن الوصول إلى الأرض التي صُمم المشروع لريّها.
في الجهة الأخرى، كشفت القياسات المكانية أن السيطرة العسكرية الاسرائيلية الحديثة امتدت لنحو12 كلم من مجرى الحاصباني–الوزاني. وهنا يجب التمييز بوضوح: الليطاني والحاصباني–الوزاني حوضان منفصلان جيولوجيًا وهيدرولوجيًا، ولا توجد بينهما صلة طبيعية أو مائية. الحاصباني–الوزاني جزء من حوض نهر
الأردن، ومياهه تدخل في منظومة مائية عابرة للحدود. وتضع تقديرات تاريخية موثقة ان الجريان السطحي للنهر بلغت نحو155 مليون م3/سنة، من دون احتساب المياه الجوفية.
قبل الانسحاب
الإسرائيلي عام 2000، كانت المنطقة خاضعة للاحتلال، وكانت السيطرة على الأرض تعني أيضًا السيطرة على منشآت المياه واستخداماتها. وبعد الانسحاب، أنشأ
لبنان محطة الوزاني بطاقة تصميمية تبلغ نحو12 ألف م3/يوم، أي قرابة 4.4 ملايين م3/سنة إذا عملت باستمرار بكامل طاقتها. لكن تشغيلها ظل يتأثر بالأعطال وكلفة الطاقة وانقطاع الكهرباء. وفي المقابل، وثقت تقارير دولية وجود منشآت ضخ إسرائيلية في منطقة الغجر ومحيط منابع الوزاني.
لذلك، فالقضية هنا ليست المطالبة باتفاقات ودراسات، بل بتطبيق القوانين الدولية وإعطاء لبنان حقوقه. فالمفارقة مستمرة: موارد مائية تنبع من الأراضي
اللبنانية، فيما ظلت قدرة لبنان على الانتفاع منها شحيحة. وما التوسع اليوم بالسيطرة العسكرية الاسرائيلية لتشمل نحو 12 كلم على مجرى النهر وتهجير سكان عين عرب والتوسع في قضم المزيد من اطراف شبعا وبركة النقار واطراف كفرشوبا سوى عينة تصب في احكام السيطرة المائية.
ستحتاج القرى إلى إعادة بناء عشرات آلاف المنازل والمنشآت، وإلى إعادة تأهيل محطات الضخ وشبكات المياه والطاقة والري. لكن بعض أخطر آثار الحرب قد لا تظهر في صورة جوية: الذخائر غير المنفجرة، ومخلفات الحرب، واحتمال تلوث التربة والمياه. وتزداد أهمية الفحص في المناطق ذات الصخور الكربوناتية والخصائص الكارستية، حيث يمكن للشقوق والفواصل أن تسرّع انتقال المياه من السطح إلى باطن الأرض. لذلك ينبغي أن تترافق
إعادة الإعمار مع فحص التربة والمياه ومراقبتها.