يمكن اعتبار التطوّر الإيجابي المفاجئ الذي تمثّل في تحريك ملف تبادل الأسرى والرفات بين لبنان وإسرائيل أمس، بأنه الاختراق الثاني في تنفيذ بنود الاتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه في 26 حزيران الماضي، بعد المرحلة الاولى من تنفيذ عملية المناطق التجريبية التي حصلت في 20 تموز الماضي. وإذ أفرجت إسرائيل عن خمسة أسرى مدنيين، ثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين من غير المقاتلين، في مقابل تقدّم عمليات البحث الجارية عن رفات يهود لبنانيين خطفوا وقتلوا في ثمانينيات القرن الماضي، رسم الإعلان المفاجئ عن هذا التطور معالم جهد أميركي كبير اضطلع به السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى في تبادل المعطيات المتصلة بهذا الملف، بما أدى إلى تنفيذ الخطوة الأولى منه أمس بإطلاق الأسرى الخمسة وتسليمهم إلى لبنان عبر الصليب الأحمر الدولي.
وكتبت" النهار": لعلها مفارقة لافتة أن حصول هذا التطور جاء في وقت كانت فيه "كتلة الوفاء للمقاومة" تسعّر حملتها على السلطة ورئاسة الجمهورية وتنعى الاتفاق الإطار، فيما شكّل تحريك ملف الاسرى بهذه الخطوة دفعاً واضحاً للخيار التفاوضي الذي اعتمدته السلطة
اللبنانية، وبدا واضحاً أن واشنطن لعبت الدور الأساسي في توفير هذا البعد للسلطة من خلال إقناعها رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاستجابة المرنة في هذا الملف ما دامت التعقيدات لا تزال تعترض تنفيذ المرحلة التالية من المناطق التجريبية.
واعتبرت مصادر دبلوماسية أميركية لـ«نداء الوطن» أن إطلاق إسرائيل سراح أسرى لبنانيين بادرة حسن نية تهدف إلى تعزيز لبنان سياسيًا، وإبقاء المفاوضات التي ترعاها
الولايات المتحدة قائمة. إذ تمنح هذه الخطوة
بيروت ما يمكنها ترجمته محليًا بأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة. غير أن هذه المصادر حذرت من أن يتعامل لبنان السياسي مع إطلاق سراح الأسرى كبديل عن العمل الجاد لفرض السيادة، لأن المعيار ليس عودة المعتقلين، بل نزع أسلحة «حزب الله» وأن يعود لبنان إلى سيطرة الدولة الكاملة.
وفي السياق، علم أنه، على الرغم من أن الأسرى الذين أطلقت إسرائيل سراحهم لم ترد أسماؤهم ضمن اللوائح التي سبق أن قدّمها لبنان، فإن الجانب اللبناني الرسمي ينظر إلى هذه الخطوة بإيجابية، ويرى أنه يمكن البناء عليها. وفي المقابل، أرسل لبنان صورًا لمدافن اليهود في بيروت وصيدا، ولا سيما أن تل أبيب تطالب برفات أشخاص كانوا يقيمون في لبنان في فترات سابقة ولم تكن لهم علاقة مباشرة بالحروب، وكان معظمهم مواطنين لبنانيين، الأمر الذي يصعّب عملية العثور على رفاتهم، إذ إنهم لم يكونوا أسرى حرب ولم يُقتلوا في المعارك.
وكتبت" الديار":فيما اوضح مكتب رئيس حكومة الاحتلال ان قرار الافراج عن اللبنانيين جاء بعد حدوث تقدم في عمليات البحث عن جثث إسرائيليين قتلوا في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وان العملية تتم مقابل تحديد مكان وإعادة جثث قادة المجتمع اليهودي في لبنان، بقي المشهد في لبنان ضبابيا، حيث لم تؤكد مصادر امنية ولم تنف حصول تعاون لبناني في البحث عن ذلك الرفات، لكنها اكدت انها جزء من عملية التفاوض التي حصلت في واشنطن واستكملت في روما، وليس معروفا اذا ما ترجم الامر عمليا على ارض الواقع، علما ان «اسرائيل» سبق وزودت الجانب اللبناني بخرائط تشير الى احتمال وجود هؤلاء في مقبرتين الاولى في منطقة راس النبع في بيروت والثانية في صيدا.
وكتبت" الاخبار"؛ أخطر ما في ملف «التبادل»، هو أن سلطة الوصاية ممثلة بالرئيسين عون وسلام، تقر بواقع شديد الخطورة، يتمثل في منح إسرائيل حق السؤال عن مصير مواطنين لبنانيين، ولو كانوا من الطائفة اليهودية، وهو أمر يُعد أكبر نوع من تجاوز للسيادة اللبنانية، عدا عن أنه سيكون مدخلاً لمطالبات أخرى، خصوصاً أن بعض يهود لبنان الذين غادروا إلى خارج لبنان، وبعضهم انتقل إلى إسرائيل، يثيرون منذ وقت غير قصير موضوع أملاكهم في بيروت، وقد يحصل قريباً أن نسمع أن إسرائيل تطالب بتعويضات لهذه المجموعات علماً أن أملاكها لا تزال مسجلة بأسماء من يملكها، وحصل أن تولى محامون في بيروت وصيدا قضايا تخص هذه الأملاك، من بينها تحصيل بدلات إيجار من قبل مواطنين لبنانيين وإيداعها في حسابات بنكية تعود إلى أصحابها من اليهود الذين يعيشون في أوروبا.
عملياً، لا يصحّ تقديم الإفراج الإسرائيلي عن خمسة معتقلين لبنانيين اليوم باعتباره تنازلاً إسرائيلياً خالصاً، ولا كإنجاز تفاوضي مكتمل. فالخطوة تأتي في إطار مسار أكثر تعقيداً، وهو أقرب إلى «تنفيسة» لمعالجة الانسداد في مسار المفاوضات المباشرة، وهو جاء بناء على طلب أميركي، من أجل «مساعدة الحكومة اللبنانية في مساعيها للإبقاء على المفاوضات». لكن العدو لم يتنازل من دون مقابل، بل حصل على ثمن سياسي وميداني أيضاً، بعدما انخرط لبنان في البحث عن 12 مفقوداً تطالب إسرائيل بمعرفة مصيرهم، وشارك، وفق ما أوردته صحيفة «يسرائيل هيوم» نقلاً عن مصادر مطلعة، خرائط وصوراً لمواقع ومقابر يُحتمل أن تقود إلى معلومات عنهم. ومن هنا، فإن الإفراج يبدو أقرب إلى أول تطبيق عملي لصيغة تبادل الخطوات، لا إلى مبادرة إسرائيلية منفصلة عن حسابات التفاوض.
توقيت الخطوة جاء بعد عودة السفير الأميركي ميشال عيسى من لقاء جمعه مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، في سياق تحرك هدفه إخراج المفاوضات اللبنانية -
الإسرائيلية من دائرة الوعود إلى إجراءات قابلة للقياس، ولا سيما أن ملف المعتقلين من الملفات التي طُرحت في الجولة السابعة من المحادثات التي استضافتها روما في آب بوساطة أميركية. وكانت القناة 12 الإسرائيلية تحدثت عن إفراج متوقع عن خمسة لبنانيين، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وقدمت الخطوة وفق توصيفها باعتبارها «بادرة حسن نية». لكن المعلومات المتداولة عن الأسماء تكشف أيضاً بعض الالتباس في الملف؛ إذ أفادت معلومات صحافية بأن أربعة ممن كان متوقعاً تسليمهم هم علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي، وهم لبنانيان وسوريان، رغم أن أسماءهم لم ترد في اللائحة التي سبق أن وزعتها هيئة الأسرى.
أما مالك كمال غازي، فقد وصل إلى الجانب اللبناني عبر الصليب الأحمر الدولي، وتسلّمه الجيش اللبناني لإجراء الفحوص الطبية. ووفق المعلومات المتداولة، فإن غازي لا يدخل ضمن مجموعة الخمسة التي كانت موضع التفاهم في المفاوضات، ما يعني أن عملية الإفراج عنه منفصلة عن المسار الذي يجري الحديث عنه بين بيروت وتل أبيب، خصوصاً أن المعلومات كانت أشارت إلى أنه كان يريد الانتقال للعيش
في إسرائيل بسبب صلات له مع أقرباء من دروز فلسطين.
وفيما نقل «إكسيوس» عن مسؤول في الخارجية الأميركية أن «إفراج إسرائيل عن الأسرى اللبنانيين جاء نتيجة وساطة أميركية»، فإن الرواية الإسرائيلية الرسمية بدورها تكشف طبيعة المقابل الذي تضعه تل أبيب خلف الخطوة. فقد أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الوزراء وجّه المسؤولين الإسرائيليين إلى تسريع البحث عن جثامين قادة من الجالية اليهودية في لبنان وإعادتها، وقال إن هؤلاء «اختطفتهم وقتلتهم منظمات إرهابية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي». وأوضح أن نتنياهو يتابع القضية منذ عقود، وأن الأشهر الأخيرة شهدت جهوداً إسرائيلية ولبنانية للعثور على الجثامين، قبل أن يعلن أن الإفراج عن خمسة مدنيين لبنانيين جاء «على ضوء هذه الجهود».
وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن التحقيقات خلصت إلى أن المحتجزين الخمسة مدنيون، ولا ينتمون إلى أي منظمة إرهابية ولم يشاركوا في أعمال إرهابية، ولذلك لا يوجد، ما يبرر مواصلة احتجازهم. لكن مجرد ربط الإفراج بهذا الملف يوضح أن إسرائيل لا تنظر إلى الخطوة باعتبارها استجابة مجانية للمطلب اللبناني، بل تضعها ضمن حزمة أوسع من المصالح التي تريد تحصيلها من المفاوضات. وفيما أكد المسؤول الأميركي لـ«إكسيوس» أن بلاده «تواصل المساعدة للحفاظ على حوار يومي بين لبنان وإسرائيل»، يتزامن هذا المسار مع استمرار إسرائيل في إنتاج وقائع جديدة على الأرض. ففي مزرعة حلتا الحدودية، وبعد توغل قوة إسرائيلية تم اختطاف ثلاثة مواطنين لبنانيين ونقلهم إلى منطقة بسطرة. وهذه الواقعة، التي حدثت في اليوم نفسه من الإعلان عن الإفراج، تطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الإفراج عن خمسة محتجزين إذا كانت إسرائيل قادرة في الوقت ذاته على إضافة ثلاثة آخرين إلى الملف.
وكانت إسرائيل بدأت عملية الإفراج عن الأسرى الخمسة بإطلاق الأسير اللبناني مالك كمال غازي البالغ من العمر 20 عاماً، والذي فُقد في منطقة عين عطا – راشيا في تشرين الأول 2025 أثناء خروجه لممارسة الرياضة، قبل أن تتكشف لاحقاً معلومات عن تعرّضه للخطف ونقله إلى إسرائيل.
وقد سُلّم المفرج عنه إلى الصليب الأحمر عند معبر الناقورة، ثم إلى الجيش اللبناني، ونُقل بعدها إلى مكتب مخابرات الجيش في ثكنة بنوا بركات في صور، ومنه إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الطبية. ومن ثمّ أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأنّ من المتوقع أن تُفرج إسرائيل عن 5 أسرى لبنانيين بالتنسيق مع الولايات المتحدة كجزء من المفاوضات وأنّ قضية المعتقلين والمفقودين تُعد محور المحادثات بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وقد تم تبادل القوائم الأولية في الجولة الأخيرة في روما. وأفاد مصدر أمني عن تأجيل تسليم الأسرى اللبنانيين الأربعة من الجانب الإسرائيلي إلى الصليب الأحمر الدولي، على أن تتم عملية التسليم عند الساعة 11 من صباح اليوم الجمعة.