وسّع العدو الاسرائيلي مساحة القصف الجوي في جنوب
لبنان، وكثف الغارات بشكل غير مسبوق، مما أسفر عن وقوع 12 شهيدا بينهم رضيعان، وذلك في أعنف تصعيد مستمر منذ ثلاثة أيام تسعى من خلاله اسرائيل إلى عزل مناطق وجود جيشها عن محيطه، وتستهدف من خلاله مسار «اتفاق الإطار» مع لبنان، حسبما قال الرئيس جوزيف
عون.
وللمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر، شن الجيش
الإسرائيلي حملة عسكرية مكثفة في جنوب لبنان، استهدفت الحاضرة المدنية في محيط وجوده داخل الخط الأصفر، وأسفرت خلال 72 ساعة عن استشهاد 27 شخصاً، بينهم أطفال، حسب ما أعلنت
وزارة الصحة اللبنانية.
وقال مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن
إسرائيل «تسعى إلى عزل المنطقة التي توجد فيها قواتها عن الحاضرة المدنية الموجودة بمحيطها لمسافات تتخطى ثلاث كيلومترات»، مشيراً إلى أن ما يجري «لا يقتصر على منطقة علي الطاهر ومحيطها، حيث امتدت الغارات إلى الريحان ودير الزهراني.. بل ينفذ في القطاع
الغربي إثر التوغلات في بلدة المنصوري وتوسعة النار إلى وادي زبقين، كذلك يجري في القطاع الأوسط لجهة توسعة دائرة النار إلى عيتا الجبل وبرعشيت وغيرها».
وقال المصدر إن القوات
الإسرائيلية «تستفيد من وقف إطلاق النار، لتوسعة عملياتها الجوية ومضاعفة مساحة الأمان بما يمكنها من تنفيذ عمليات تفجير ومنح جنودها حرية حركة، ولتنفيذ منطقة معزولة عن السكان»، مشيراً إلى أن «هذا ما تحقق في بلدات مثل النبطية الفوقا وكفر رمان ومدينة النبطية ومحيطها، وكذلك تم في البلدات المواجهة لوادي السلوقي ووادي الحجير»، في إشارة إلى نزوح السكان من المنطقة إثر التصعيد الإسرائيلي.
وكتبت" الاخبار": لم ينتظر العدو اكتمال ترتيبات «الخط الرمادي»، الذي كُشف عنه أخيراً، حتى بدأ باختباره بالنار. ففي اليوم الثالث، وسّع الاحتلال دائرة غاراته على جنوب لبنان، ولا سيما في النبطية ومحيطها. ووفق حصيلة وزارة الصحة، ارتفع عدد الشهداء جراء الاعتداءات الإسرائيلية في الأيام الثلاثة الأخيرة إلى 27 شهيداً، وبلغ عدد الجرحى 69. وفي كفررمان وحدها، أدّت غارة على مبنى سكني إلى سقوط
شهداء، بينهم أطفال ونساء، فيما طاول الاستهداف مسعفَين في أثناء عمليات الإنقاذ، كما طاول الصحافيين مجدداً، بإصابة مراسل ومصوّر قناة «المنار».
وبدا هذا التصعيد، في ظاهره، امتداداً للعمليات التي سبقت إعلان السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر. إلا أن الوقائع الميدانية خلال اليومين الماضيين تكشف اتجاهاً يتناقض مع الحديث الإسرائيلي عن تقليص الانتشار البري: فبدلاً من انحسار استخدام القوة، اتسعت الغارات وتوسّع نطاق الاستهداف إلى ما يتجاوز منطقة الاحتلال البري.
وهذا تحديداً ما بدأت أحداث الأيام الأخيرة تكشفه عملياً. فالقصف لم يتوقف عند منطقة علي الطاهر أو عند محيط الخط الذي يفترض أن تتمركز فيه قوات العدو، بل امتد إلى النبطية وكفررمان وعربصاليم ومناطق أخرى. وفي هذا المعنى، قد لا يكون «الخط الرمادي» خطاً للنار بقدر ما هو خط للتمركز، يتيح لإسرائيل، في حال اعتماده، تقليص كلفة وجودها البري من دون التخلي عن القدرة على التدخل العسكري داخل الجنوب متى شاءت.
وتوقفت مصادر متابعة عند توقيت الكشف الإسرائيلي عن تفاصيل خطة «الخط الرمادي»، ولا سيما تحديد عمق الانتشار المقترح وطبيعة المواقع التي يفترض أن تقيمها قوات الاحتلال، في مقابل إبقاء مسائل أساسية من دون حسم، من بينها مدة البقاء في المنطقة التي سيشملها الانتشار الجديد، ومصير المناطق التي ستنسحب منها القوات، والضمانات السياسية والأمنية المرتبطة بإعادة الانتشار.
وترى المصادر أن هذا التفاوت بين ما كُشف وما بقي غامضاً يجعل الإعلان أقرب إلى رسالة سياسية وأمنية منه إلى مجرد عرض لخطة عسكرية. فالمسألة لا تتعلق فقط بمكان تمركز قوات العدو، بل بالصورة التي تحاول تل أبيب تكريسها للمرحلة المقبلة: انتشار
بري أقل عمقاً، في مقابل الإبقاء على المراقبة والقدرة على تنفيذ الضربات والعمليات العسكرية خارج نطاق الانتشار الجديد.
اضافت" الاخبار": تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ضوء التطورات الميدانية نفسها. فقد أعلن العدو أنه شنّ الغارات رداً على إطلاق مسيّرتين محمّلتين بالمتفجرات باتجاه قواته في منطقة علي الطاهر، وعلى اشتباك من مسافة قريبة مع أحد عناصر
حزب الله، في أثناء قيام قوة من وحدة استطلاع «غولاني» الإسرائيلية بأعمال تمشيط في محيط قلعة الشقيف الاستراتيجية، ما أدى إلى إصابة جنديين إسرائيليين.
وهنا تظهر المفارقة بين مسارين متزامنين: الأول، تتحدث فيه إسرائيل عن تقليص انتشارها البري وإعادة تموضع قواتها؛ والثاني، تواصل فيه توسيع نطاق استخدامها للقوة النارية وتوسيع دائرة الاستهداف. وهذه المفارقة تدفع، وفق المصادر، إلى التعامل مع «الخط الرمادي» بوصفه إعادة توزيع للقوة أكثر منه انسحاباً بالمعنى المتعارف عليه. فيما واصل وزير الحرب يسرائيل كاتس، أمس، ربط استمرار العمليات بما وصفه بمحاولات حزب الله استهداف القوات الإسرائيلية في منطقة علي الطاهر، متوعداً بردود تصعيدية مع استمرار إطلاق المسيّرات.