تحرّك ملف انفجار مرفأ
بيروت قضائيًا. فقد تسلّم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، من المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، مطالعة النيابة العامة التمييزية.
وتقع المطالعة في 270 صفحة "فولسكاب"، أبدى فيها صعب مطالب النيابة العامة التمييزية بشأن التحقيقات التي أُجريت في ملف المرفأ.
وثمة معلومات أن البيطار سيدرس مطالب النيابة العامة ثم ينتقل إلى استكمال الإجراءات التي يراها ضرورية قبل إصدار القرار الإتهامي. وبحسب المعلومات المتداولة هناك أكثر من سبعين مدعى عليهم تتفاوت المسؤوليات المنسوبة إليهم بين القصد الاحتمالي، والإهمال والتقصير، والإخلال بواجبات الوظيفة، مع احتمال منع المحاكمة عن بعض من لا تتوافر بحقهم أدلة كافية. ومن المحتمل أن يعاود البيطار استدعاء عدد من المدعى عليهم الذين سبق استجوابهم وتركهم رهن التحقيق من دون اتخاذ قرار نهائي بحقهم، على أن يحدد موقفه من كل منهم وفقاً للأدلة والمعطيات الموجودة في الملف.
واللافت في هذا السياق، أن وكالة الصحافة
الفرنسية نقلت عن مصدر قضائي، أن النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق
ميشال عون بجرم الإهمال في إطار التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت.
وأفاد مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية "أ ف ب" بأن المحامي العام التمييزي طلب من المحقق العدلي توجيه الاتهام إلى عون، على اعتبار أنّه "كان على علم مسبق بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ وبخطورتها، من دون أن يتخذ الإجراءات اللازمة أو يطرح الأمر أمام المجلس الأعلى للدفاع".
وأفاد الخبير الدستوري عادل يمين، في حديث لـ"
لبنان 24"، ليلا بأنّه لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية بالجرائم العادية أو بخرق الدستور أو بالخيانة العظمى، إلا من قبل مجلس النواب، وبأغلبية الثلثين من عدد أعضاء المجلس، على أن يُحال إلى المحاكمة حصراً أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وبالتالي، لا يحق للنيابة العامة أو لقاضي التحقيق العدلي طلب اتهام رئيس الجمهورية، سواء كان في منصبه حالياً أو سابقاً.
وذكرت"نداء الوطن"، لم تقتصر المطالعة على إبداء الرأي في إجراءات المحقق العدلي، بل قدّمت سردية متكاملة للوقائع، وتحليلًا لأسباب التفجير، ومعايير لترتيب المسؤوليات. ومن ضمن هذا الإطار، حضرت مسؤولية رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، ولا سيما في ضوء إقراره بأنه كان يعلم بوجود النيترات، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول الإجراءات التي اتخذها بعد وصول المعلومات إليه.
وافادت " الديار"ان مطالعة القاضي صعب حملت مقاربة تتجاوز الأسباب المباشرة للانفجار، لتلامس المسؤوليات السياسية والإدارية التي راكمت الإهمال ومهّدت لوقوع الكارثة، مع ما لذلك من تداعيات سياسية وقضائية، سواء لناحية مواقف القوى المعنية أو الخطوات التي قد يتخذها المحقق العدلي في ضوء مضمونها، ما سيفتح الباب أمام خطوات قضائية جدّية، فإما أن تقرّب الملف من خواتيمه بإصدار القرار الاتهامي، أو تُبقيه مفتوحًا على مزيد من التأخير، فيما يبقى السؤال الاهم:هل تشكّل هذه الخلاصة مدخلا فعليا لتوسيع دائرة المساءلة، أم تبقى المسؤوليات المثبتة في المطالعات منفصلة عن أي ملاحقات قابلة للتنفيذ؟
مصادر قضائية اشارت الى أن القاضي البيطار سيحدد جلسات للمدعى عليهم الذين استجوبهم، ومعظمهم من المسؤولين السياسيين والقادة الأمنيين والقضاة الذين تقرر، بعد استجوابهم، تركهم من دون اتخاذ أي إجراءات ضدهم، لاتخاذ قراره بشأنهم، إما بإصدار مذكرات توقيف وجاهية ضدهم أو تركهم بسندات إقامة، وفي حال عدم مثولهم أمامه، فقد يذهب إلى إصدار مذكرات توقيف غيابية ضدهم، مبدية اعتقادها بان يكون القاضي البيطار قد وضع مسودة اولية لقراره الظني، في انتظار مطالعة النيابة العامة، التي يعود له وحده القرار بالاخذ بها من عدمه، مؤكدة ان كل ما يتداول ويسرب يبقى في باب التكهنات، قبل ان يصدر القرار الظني، صاحب الكلمة الفصل في نتائج تحقيقات المحقق العدلي.
هذا وعلم ان القاضي البيطار سيتسلّم مجددا، هذا الأسبوع، رئاسة محكمة الجنايات في بيروت، بالتزامن مع بدء السنة القضائية الجديدة، بعدما تولى القاضي نسيب إيليا رئاستها بالتكليف خلال الفترة الماضية.
وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن المطالعة، الواقعة في 260 صفحة فولسكاب «أوردت أسماء الشخصيات التي كانت على علم بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ، وفي مقدمها عون، الذي كان قد تسلّم تقريراً مفصلاً بشأن وجود هذه المواد وخطورتها وإمكان انفجارها، من دون أن يعرض القضية على مجلس الدفاع الأعلى، رغم انعقاد جلساته في القصر
الجمهوري برئاسته».
ولم تتضح بعد طبيعة الإجراء الذي طلب صعب اتخاذه بحق عون وما إذا كان ادعى عليه مباشرة، إلا أن المصادر رجّحت أن يكون «حمّله مسؤولية جزائية، وطلب ملاحقته بالجرائم نفسها التي يلاحق بها رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب وعدد من السياسيين والقادة الأمنيين والعسكريين والقضائيين».
وأشارت المصادر إلى أن الحصانة المرتبطة بموقع رئيس الجمهورية «لا تحول دون مساءلته عن الجرائم الجزائية، على أن تطرح مسألة الجهة المختصة بالمحاكمة والإجراءات الواجب اتباعها أمام الجهات القضائية والدستورية المعنية». وشددت على أن النيابة العام «طلبت من المحقق العدلي توجيه الاتهام إلى الرئيس عون، بالمسؤولية عمّا حصل في الرابع من آب، خصوصاً أنه علم مسبقاً بوجود النترات والتحذير من خطر انفجارها قبل أسبوعين من وقوع الكارثة، ومسؤوليته لا تقلّ عن مسؤولية رئيس الحكومة (السابق) حسان دياب والمدعى عليهم الآخرين».
وأكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن المطالعة «حدّدت المسؤوليات بالنسبة إلى 73 مدعى عليهم، بينهم أشخاص معنويون من شركات، كما عالجت اختصاص الملاحقات بالنسبة إلى القضاة والنواب والوزراء والأمنيين والعسكريين، وصنّفت الأفعال والمسؤوليات وفق مواقع المعنيين ودور كل منهم».
ووفق المصدر «طرحت أسئلة جوهرية: هل ما حصل انفجار أم تفجير؟ هل نجم عن خطأ أم عن عمل إرهابي؟ هل انفجرت كامل كمية نترات الأمونيوم التي وصلت إلى المرفأ والمقدّرة بـ2750 طناً؟ هل توجد جهات لبنانية مرتبطة باستيراد الشحنة من جورجيا أو بما حدث لاحقاً؟ وهل تعرّض المرفأ لاستهداف إسرائيلي؟».
وتناولت المطالعة وفق المصدر أسماء شخصيات أثيرت حولها شبهات في الإعلام من دون الادعاء عليها أو الاستماع إلى إفادتها، وبحثت في «مدى جدية هذه الشبهات»، واضعة معايير لتحديد المسؤولية امتدت من إدارة المرفأ والقضاة إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية والمستويات السياسية العليا.
ومع انتهاء المطالعة وعودة الملف إلى عهد القاضي طارق البيطار، تنتقل قضية المرفأ إلى أكثر مراحلها حساسية: من تحقيق استمر سنوات واصطدم بعوائق سياسية وقضائية متلاحقة، إلى مرحلة تسمية المسؤوليات ورسم حدودها. وإذا كان القرار الاتهامي يبقى بيد البيطار، فإن مطالعة النيابة العامة وضعت أمامه خريطة قانونية واسعة، قد تجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد من يتحمل، قضائياً، مسؤولية كارثة الرابع من اب.