لم تكن جلسة مناقشة الحكومة مجرد محطة نيابية لتقييم أداء حكومة نواف سلام، بل تحولت إلى اختبار سياسي مبكر لطبيعة المرحلة المقبلة في
لبنان. فما بدأ تحت عنوان مناقشة الحكومة سرعان ما اتسع ليشمل الملفات الأكثر تعقيداً في المشهد الداخلي، من قرار الحرب والسلم، إلى حصرية السلاح ومسار التفاوض مع
إسرائيل، وصولاً إلى حدود دور الدولة في مرحلة لا تزال تتداخل فيها تداعيات الحرب مع استمرار الاحتلال والخلاف على الخيارات الأمنية والسياسية.
منذ بداية الجلسة، بدا أن
رئيس مجلس النواب نبيه بري يتعامل مع هذا المشهد بمنطق تنظيم الخلاف وإبقائه تحت السيطرة، وظهر ذلك في تقديم كلمة رئيس الحكومة نواف سلام على مداخلات النواب، إذ سارع إلى تقديم رواية حكومته وسياساتها وقراراتها للمرحلة، حيث وضع الحرب الأخيرة في صلب الأزمة، رابطاً بين مسارات التفاوض والإصلاح وحصر السلاح وإعادة الإعمار، وبدا واضحاً من مقاربة سلام أن الحكومة تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها مترابطة، وأن استعادة الاستقرار لا تنفصل عن استعادة قدرة
الدولة على الإمساك بالقرار السياسي والأمني، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة ثقة الداخل والخارج..
لكن المداخلات النيابية سرعان ما كشفت أن النقاش يتجاوز حدود تقييم أداء الحكومة، فقد تحولت الجلسة إلى مساحة لإعادة رسم خطوط الصراع السياسي وتحديد المسؤوليات في الملفات التي ستشكل عنوان المرحلة المقبلة، حيث وضع رئيس
التيار الوطني الحر النائب
جبران باسيل السيادة وحصرية السلاح ومسار التفاوض في قلب اعتراضه على أداء الحكومة، وحمّلها مسؤولية الخطر العسكري نتيجة غياب استراتيجية متكاملة للأمن القومي وعدم ربط مسار حصر السلاح بتفاهم داخلي، كما أدخل خيارات
حزب الله مباشرة في صلب النقاش، متوقفاً عند تلال علي الطاهر ومسار وقف إطلاق النار، ومنتقداً التنسيق الأمني مع إسرائيل من دون ضمان انسحابها من الأراضي
اللبنانية المحتلة.
ومن زاوية أخرى، ركّز النائب إلياس بو صعب على اتفاق الإطار، مطالباً الحكومة بتوضيح مضمونه وما أُنجز منه وما ينتظر التنفيذ، فيما شكك النائب هادي أبو الحسن في جدوى المسار التفاوضي بصيغته الحالية، داعياً إلى مقاربة جديدة تحفظ الحقوق اللبنانية وتربط التفاوض بتنفيذ القرارات الدولية، ومؤكداً أهمية العودة إلى اتفاق الهدنة.
أما موقف حزب الله فوضع المسؤولية عند السلطة، حيث ركز النائب حسن عز الدين على الخطر
الإسرائيلي باعتباره التهديد الأساسي للبنان، معتبراً أن اتفاق الإطار أدخل البلاد في مأزق سياسي وتفاوضي، أما النائب إلياس جرادي فاختار لهجة أكثر حدة، داعياً الحكومة إلى التنحي وإلقاء صلاة الاستغفار لأن الشعب لن يكون غفوراً، فيما وجّه رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل رسالة مباشرة إلى سلام، محذراً من أن فشل الحكومة قد يدفع لبنان نحو التفكك، ومطالباً إياه بفرض هيبة الدولة والدستور والقانون على الجميع.
وبذلك، بدا أن الجلسة تعكس انقساماً أوسع حول تعريف الخطر وأولوية الدولة وشكل المرحلة المقبلة، فمع ارتفاع سقف الخطاب السياسي، أظهرت السجالات بين النائبين علي عمار وأشرف ريفي، ثم المواجهات الأخرى بين عمار والنائبة بولا يعقوبيان، وبين النائبين زياد الحواط وإبراهيم الموسوي، أن الاحتقان لم يعد محصوراً في البيانات والمواقف، وأن أي نقاش حول السلاح أو التفاوض أو مسؤولية الدولة يمكن أن يتحول سريعاً إلى اشتباك سياسي مباشر.
إلا أن اللافت أن هذا الاشتباك بقي ضمن حدود الجلسة ولم يتحول إلى مسار تصعيدي أوسع، وهنا برز دور بري بوضوح، حيث ترك مساحة واسعة للاعتراض ورفع سقف المواقف، لكنه تدخل عندما اقترب النقاش من تجاوز الخطوط التي يمكن أن تحول الخلاف السياسي إلى صدام سياسي، كما أكد استعداد المجلس لعقد جلسة استجواب للحكومة الشهر المقبل، بما يعني أن المساءلة ستستمر داخل المؤسسات، فيما لا تبدو هناك، في هذه المرحلة، نية لدى "الثنائي الشيعي" لإسقاط الحكومة.
وبذلك، لم تتراجع حدة الانقسام داخل المجلس، ولم تغيّر الحكومة مسارها، كما لم تخفّض القوى السياسية سقف اعتراضها وهجومها على حزب الله، في حين تمسّك نواب "كتلة الوفاء للمقاومة" بمقاربتهم لملف السلاح والتفاوض، ولذلك فإن الصراع سيبقى مفتوحاً داخل المؤسسات، بانتظار استحقاقات أكثر حسماً قد تحدد لاحقاً ما إذا كان هذا التوازن الهش قادراً على الاستمرار.