تتقاطع تقارير إسرائيلية نُشرت خلال الأيام القليلة الماضية عند تقدير أساسي مفاده أن "حزب الله"، رغم الضربات التي تعرض لها وخسارته جزءاً من قياداته وبنيته العسكرية، لم يخرج نهائياً من المواجهة، بل يحاول التكيف مع الواقع الميداني الجديد والاستعداد لمرحلة مختلفة من القتال في جنوب لبنان.
وذكر موقع "واللا"
الإسرائيلي أن الحزب يتجه، بحسب تقديرات مسؤولين في الجيش الإسرائيلي، نحو اعتماد أسلوب "حرب العصابات" بدلاً من القتال المنسق بين الوحدات، خصوصاً بعد العملية العسكرية
الإسرائيلية في سلسلة جبال علي الطاهر.
ونقل الموقع عن المسؤولين قولهم إن المعطيات الاستخباراتية تشير إلى أن الحزب يراجع أداءه ويحاول تشغيل خلايا صغيرة قادرة على التحرك وتنفيذ عمليات من دون رصدها. وقد يشمل ذلك زرع العبوات، وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع، وتنفيذ عمليات قنص أو استهداف مواقع وآليات عسكرية إسرائيلية.
وبحسب "واللا"، لا تتوقع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عودة الحزب سريعاً إلى نموذج القتال الواسع الذي اعتمده سابقاً، لكنها ترى أنه قد يلجأ إلى عمليات محدودة ومتفرقة، هدفها استنزاف القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي
اللبنانية وإظهار قدرته على مواصلة التحرك.
وفي السياق نفسه، تحدثت صحيفة "معاريف" عن تعزيزات إسرائيلية في محيط بلدة المنصوري، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يعتبر المنطقة الواقعة داخل ما يسميه "الخط الأصفر" خالية تماماً من عناصر الحزب أو بنيته العسكرية.
وأشارت الصحيفة إلى مخاوف إسرائيلية من محاولة الحزب العودة إلى بعض المناطق القريبة من مجدل زون والمنصوري، سواء عبر مجموعات صغيرة أو عناصر يتحركون بصورة فردية، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية للمنطقة وصعوبة مراقبتها بصورة كاملة.
وتكشف هذه التقديرات أن
إسرائيل لا تنظر إلى سيطرتها الميدانية على بعض النقاط باعتبارها حاسمة أو نهائية، إذ يحذر ضباط في القيادة الشمالية من أن استمرار وجود القوات داخل لبنان قد يحولها إلى أهداف ثابتة لخلايا صغيرة، خصوصاً مع حلول فصل الشتاء وتراجع الرؤية الجوية وصعوبة حركة القوات البرية.
ووصف مسؤولون إسرائيليون هذا التحدي بتعبير "الوحل اللبناني"، في إشارة إلى خشيتهم من تحول الانتشار العسكري إلى وجود طويل الأمد يفرض على الجيش أعباء ميدانية ويعرضه لعمليات استنزاف.
وفي تقرير آخر، قالت قناة "14" الإسرائيلية إن تل أبيب غير راضية عن نتائج العملية التجريبية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وذهبت القناة إلى الحديث عن تقديرات إسرائيلية تزعم وجود تنسيق بين
الجيش اللبناني و"حزب الله"، وهي اتهامات وردت من الجانب الإسرائيلي ولم يقدم التقرير أدلة مستقلة تثبتها.
وربطت القناة بين هذه التقديرات وبين قرار إسرائيل مواصلة عملياتها العسكرية، معتبرة أن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بالضمانات السياسية أو الأمنية اللبنانية، بل سيستمر في تنفيذ عمليات الرصد والاستهداف داخل المناطق التي يشتبه في وجود نشاط للحزب فيها. تقرير قناة 14 الإسرائيلية
أما صحيفة "إسرائيل هيوم"، فقدمت قراءة أوسع لوضع الحزب ضمن محور
إيران، معتبرة أن هذا المحور تعرض لضربات كبيرة لكنه لم يُهزم بالكامل. ووفق تقديرات الصحيفة، كان "حزب الله" الطرف الذي تلقى الضربة الأقسى، بعد خسارته قيادات بارزة وبنى تحتية وأجزاء من ترسانته العسكرية.
ومع ذلك، حذرت الصحيفة من التعامل مع تراجع الحزب باعتباره نهاية لقدراته، مشيرة إلى أن طهران وحلفاءها قد يتجهون إلى إعادة ترتيب صفوفهم واعتماد أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة، بدلاً من العودة المباشرة إلى المواجهات الواسعة.
وبحسب مجمل التقارير الإسرائيلية، يواجه الحزب تحديات مالية وتنظيمية، تشمل تراجع الدعم
الإيراني، وصعوبة دفع الرواتب والتعويضات، ومساعدة عائلات القتلى والجرحى والمتضررين. كما فقد، وفق الرواية الإسرائيلية، عدداً من القادة الميدانيين الذين كانوا يمتلكون خبرة واسعة بجغرافيا الجنوب والحدود.
لكن هذه التقارير تشير، في الوقت نفسه، إلى أن الحزب يعمل على إعادة بناء قدراته، مع تركيز متزايد على الطائرات المسيّرة، ولا سيما تلك الموجهة عبر الألياف الضوئية، التي يصعب التشويش عليها إلكترونياً. ويُنظر إلى هذه المسيّرات باعتبارها وسيلة محتملة لمراقبة المواقع الإسرائيلية أو استهدافها من مسافات قريبة.
ولا تستبعد التقديرات الإسرائيلية استخدام الحزب صواريخ قصيرة المدى وعبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع، بدلاً من إطلاق رشقات صاروخية واسعة قد تستدعي رداً إسرائيلياً كبيراً. ويتيح هذا النمط للحزب، وفق القراءة الإسرائيلية، الحفاظ على مستوى من الضغط الميداني من دون الانتقال فوراً إلى حرب مفتوحة.
كذلك، تربط
وسائل الإعلام الإسرائيلية تحركات الحزب المرتقبة بموقف إيران وتطورات المواجهة الإقليمية، إذ تعتقد أن قيادته تنتظر اتضاح حسابات طهران قبل اتخاذ قرار بشأن توقيت أي تحرك عسكري وحجمه.
وفي موازاة ذلك، تتحدث التقارير عن مخاوف لدى الحزب من توسيع إسرائيل عملياتها باتجاه النبطية، التي تمثل إحدى أبرز مناطق نفوذه السياسي والاجتماعي والعسكري. وحتى الآن، تركز إسرائيل على الغارات الجوية في المنطقة، من دون مؤشرات معلنة إلى بدء عملية برية واسعة فيها.
وعليه، ترسم التقارير الإسرائيلية صورة لحزب أضعفته الضربات، لكنه لا يزال قادراً على التحول من بنية عسكرية واسعة ومكشوفة نسبياً إلى مجموعات أصغر وأكثر مرونة.