كتب ابراهيم بيرم في "النهار":
إذا جاز أن يعطى عنوان بارز للأداء السياسي والإعلامي الإسرائيلي حيال لبنان في الأيام الماضية، فهو رفع إسرائيل مستوى تشكيكها في قدرات الجيش اللبناني على ملء الفراغ الذي يمكن أن يحدثه أي انسحابٍ محتمل للقوات الإسرائيلية من المناطق الجنوبية التي تمدّدت إليها في الأشهر الستة الماضية، والعمل على ترسيخ معادلة فحواها أن وحدات الجيش اللبناني لا تؤدي المهمات المطلوبة منها جنوباً إنفاذاً لقرار نزع سلاح "حزب الله".
وتضيف إسرائيل عنصراً ثالثاً إلى "مضبطة اتهامها" للجيش اللبناني وهو الزعم بوجود أوجه تنسيق بينه وبين مقاتلي الحزب يبلغ حدود غضّ النظر عن بؤر وجودهم وانتشارهم.
نقطة الانطلاق لهذه الحملة كانت من وسائل إعلام إسرائيلية وثيقة الصلة بالمؤسسة العسكرية والسياسية الاسرائيلية، ثم وصلت إلى موقفٍ صريح أطلقه قبل ساعات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير واتهم فيه الجيش اللبناني بـ"العجز والقصور" عندما استبعد نزع سلاح "حزب الله" ما لم "يرفع هذا الجيش كفاءاته الميدانية".
ولأن هذه الحملة كانت قاسية ومريبة، سارع رئيس الجمهورية جوزف عون إلى إطلاق حملة دفاع مضادة أكد فيها أن الجيش يقوم بواجباته كاملة جنوباً، مجدداً تصميم الدولة على تنفيذ قرارتها حصر السلاح بيدها على أن لا يؤدي ذلك الى صدام مع الحزب.
في المبدأ ثمة من يربط بين حملة التشكيك الإسرائيلية في الجيش وبين انعقاد مؤتمر دعم لبنان في باريس، والذي وضع في مقدم جدول أعماله بند تمكين الجيش اللبناني وتعزيز قدراته تمهيداً لقيامه بالدور المنوط به لاحقاً في المناطق الجنوبية.
وعليه، تدرج الجملة الإسرائيلية تلك في إطار قطع السبل أمام إنجاز هذا الهدف الذي تكثفت الجهود والاتصالات من أجل بلوغه، وذلك لتبرير إطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية واسعة، تحت ذريعة عجز الجيش عن مكافحة الوجود العسكري للحزب في تلك المناطق.
عرقلة المناطق التجريبية
والمعلوم أن ذريعة ضعف الجيش اللبناني وقصوره هي إحدى الذرائع التي تشهرها إسرائيل لعرقلة إنجاح تجربة "المناطق التجريبية - النموذجية" التي تم التوصل اليها في المفاوضات المباشرة، وثمرتها الكبرى اتفاق الإطار الثلاثي الذي ينص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من تلك المناطق تمهيداً لإخلاء الجنوب كله، في مقابل أن يبرهن الجيش عن سيطرته الميدانية على الأرض ويضمن عدم عودة قوات الحزب اليها.
وليس خافياً أنه كلما ارتفع مستوى الضغوط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها للسيادة اللبنانية وكف عدوانها عنها، تسارع القيادة الإسرائيلية إلى توجيه السهام إلى قدرات الجيش وتوجيه أصابع الاتهام إليه بالعجز والقصور عن نزع سلاح الحزب وتفكيك منظومته العسكرية.
ولاريب أن ثمة أيضاً من يطلق العنان لمخاوفه من أن تكون حملة التشكيك الإسرائيلية في قدرات الجيش هي أيضاً ذريعة إضافية للتغطية على أي عملية قضم إسرائيلية جديدة للأراضي الجنوبية وخصوصاً أن إسرائيل كثفت في الآونة الأخيرة تهديداتها في هذا الصدد، مما يعني إطالة أمد معاناة الجنوبيين ومضاعفة الأخطار عليهم.
ومما يعزّز تلك المخاوف أن الأمر ليس مستجداً على الأداء الميداني الإسرائيلي في الجنوب. فالمعلوم أن إسرائيل تحت ذريعة الضعف عينها أمام الوجود الفلسطيني المسلح في حينه، عطلت إنفاذ القرار الأممي الرقم 425 المتخذ إثر الاجتياح الاسرائيلي الأول في صيف عام 1978 ما يقارب عشرين عاماً.
وكتب معروف الداعوق في "اللواء": اللقاء الذي جمع بين سفيري لبنان في الولايات المتحدة الأميركية ندى معوض،وإسرائيل يحئييل لايتر منذ ايام في واشنطن،وهو اول لقاء يحصل بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل، منذ البدء بالمفاوضات المباشرة بين البلدين في منتصف شهر نيسان الماضي وجهاً لوجه،بغياب اي مسؤول اميركي، في حين لوحظ انه، لم يصدر بيان عن اللقاء، او تتسرب اي معلومات تكشف عما جرى خلاله خلافا لجلسات التفاوض السابقة.
وتخشى أوساط متابعة لمسار جلسات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ان تكون الاسباب التي أدت إلى عرقلة استكمال جلسات التفاوض هي ذاتها ماتزال تعطل فرص معاودة المفاوضات، وتتلخص بإصرار لبناني على الالتزام بمضمون اتفاق الاطار الثلاثي،ووقف نهائي للاعتداءات الإسرائيلية وتفجير المنازل والممتلكات. والبدء بالانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة ضمن جدول زمني محدد، بينما تشترط إسرائيل قيام الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله اولا، وبسط سلطة الدولة على كل الاراضي التي تحتلها إسرائيل حالياً.
هذا التباعد بالمواقف بين الدولتين، يُبقي الامور تراوح مكانها لوقت اطول من المتوقع، ويعطي إسرائيل فرصة اضافية، لكي تستمر في تنفيذ أكبر مسلسل بتفجير المنازل وجرفها، وتدمير الممتلكات والاراضي الزراعية، ما يُبقي اسباب عدم معاودة المفاوضات المباشرة قائماً،لانه لا يمكن للبنان الاستمرار بالمفاوضات تحت ضغوط الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وممارسات إسرائيل ضد السكان المدنيين مستمرة، دون حسيب او رقيب.
وترتفع حظوظ استمرار قيام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، باستغلال الاحتلال القائم، لتكثيف الاعتداءات والقصف والجرائم على انواعها، لكي يستثمرها في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ويرفع منسوب التأييد الشعبي المنخفض إلى أعلى ويضمن عودته إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية مجدداً، ما يعني امكانية ترحيل المفاوضات المباشرة إلى ما بعد الانتخابات وليس قبلها في ظل الوقائع السائدة.