يمكن اختصار المسار الذي يسلكه "
حزب الله" في المرحلة الحالية بمسارين متوازيين، قد يبدوان للوهلة الأولى متناقضين، لكنهما في الواقع يكمّلان بعضهما بعضاً. المسار الأول هو الاستيعاب والاحتواء السياسي، أي إبقاء الخلافات مع السلطة تحت سقف مضبوط وعدم تحويلها إلى مواجهة مفتوحة. وهذا التوجه يظهر بوضوح في تصريحات عدد من نواب "الحزب"، كما في أداء وزرائه وممثليه داخل الحكومة، حيث لا يزال الخطاب السياسي، رغم ارتفاع نبرته أحياناً، بعيداً عن خيار القطيعة أو الانفجار الداخلي.
أما المسار الثاني، فهو التسخين التدريجي على المستوى الشعبي والمطلبي. بمعنى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات في الشارع مرتبطة بملفات اجتماعية ومعيشية وسياسية، تشكل عامل ضغط إضافياً على الحكومة، من دون أن يكون الهدف منها إسقاطها أو دفع البلاد إلى مواجهة سياسية شاملة. كذلك، فإن أي تحرك من هذا النوع سيكون حريصاً، وفق هذا التوجه، على عدم اكتساب طابع طائفي واضح، لأن "الحزب" يدرك حساسية المرحلة وأي انزلاق يمكن أن يحصل في الشارع.
حتى الآن، لا يزال "حزب الله" مقتنعاً بأن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يمثل أولوية أساسية، وأن فتح معركة سياسية كبيرة في الداخل، بالتوازي مع
التطورات الإقليمية والعسكرية، لن يكون في مصلحته. ولهذا السبب تحديداً، لا يبدو أن هناك توجهاً لدى "الحزب" للذهاب إلى مواجهة مباشرة مع رئيس الحكومة أو تحميله منفرداً مسؤولية المرحلة الحالية.
الحساب هنا ليس سياسياً فقط، بل يرتبط أيضاً بالتوازنات الطائفية الدقيقة في البلاد. فالحزب يدرك أن تحويل الخلاف مع الحكومة إلى مواجهة مباشرة مع رئيسها يمكن أن يُفسَّر سريعاً باعتباره مواجهة سنية–
شيعية، خصوصاً في ظل حالة الاحتقان الموجودة أصلاً. وهذا تحديداً ما يريد "الحزب" تجنبه، لأنه يعتبر أن فتح اشتباك من هذا النوع ستكون له انعكاسات تتجاوز الحكومة ورئيسها، وقد يدخل البلاد في أزمة داخلية يصعب ضبط مسارها لاحقاً.
من هنا، فإن"حزب الله" ينظر إلى المسؤولية باعتبارها مسؤولية السلطة بمجملها، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة وصولاً إلى مختلف المؤسسات والقوى المشاركة في القرار. وعليه، فإن أي تصعيد سياسي أكبر في المرحلة المقبلة، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب، لن يكون موجهاً على الأرجح نحو رئيس الحكومة وحده، بل سيأخذ عنواناً أوسع يتعلق بأداء السلطة ومسؤوليتها عن الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
عملياً، يمكن القول إن "حزب الله" يريد تمرير الوقت في هذه المرحلة. لا يريد الانفجار في الداخل، لكنه في المقابل لا يريد إعطاء انطباع بأنه تراجع أو سلّم بالمسار السياسي القائم. لذلك يحافظ على هامش للاعتراض والتصعيد الإعلامي والسياسي، بالتوازي مع إبقاء قنوات التواصل والتسويات مفتوحة.
أما التذبذب الذي يظهر أحياناً بين خطاب شديد اللهجة ومواقف أكثر هدوءاً، فلا يمكن فصله عن التحولات الكبيرة التي أصابت موازين القوى في المنطقة. فالحزب يتعامل مع مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقت الحرب، ويحاول إعادة ترتيب خياراته على أساس الواقع الجديد، من دون أن يدفع في الوقت نفسه ثمن مواجهة داخلية مفتوحة لا يريدها في هذه اللحظة.