قد تبدو أرقام التضخم الأخيرة في
لبنان أقل حدة مما كانت عليه في بداية العام، لكن ذلك لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة أو أن كلفة الحياة أصبحت أخف على الأسر. ففي آب 2026، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 16.66% على أساس سنوي، بعدما سجل ارتفاعاً شهرياً بنسبة 1.40% مقارنة بشهر
تموز.
وتكشف بيانات
إدارة الإحصاء المركزي أن مسار التضخم خلال العام كان متقلباً؛ فقد بلغ الارتفاع السنوي 20.02% في نيسان، ثم تراجع إلى 19.04% في أيار، و17.25% في حزيران، و15.69% في تموز، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 16.66% في آب.
وهنا تكمن المفارقة التي يلمسها اللبناني في حياته اليومية: عندما ينخفض معدل التضخم، فهذا يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار تتباطأ، وليس أن الأسعار نفسها تتراجع بالضرورة. فالسعر الذي ارتفع خلال السنوات الماضية لا يعود تلقائياً إلى مستواه السابق لمجرد أن معدل التضخم أصبح أقل. وبالتالي، يبقى الضغط على ميزانية الأسرة قائماً، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب المداخيل المحدودة أو غير المستقرة.
وتشير التوقعات الحالية للبنك الدولي إلى أن متوسط التضخم في لبنان سيبلغ 17.5% خلال عام 2026، مع استمرار تأثير اضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن وأسعار
النفط، وهي عوامل يمكن أن تنعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات.
الغذاء.. الاختبار اليومي للقدرة الشرائية
يبقى الغذاء من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة إلى الأسر، لأن أي ارتفاع في أسعار المواد الأساسية ينعكس مباشرة على ميزانية المنزل.
وتظهر بيانات
إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشر الخبز والحبوب ارتفع 1.82% خلال آب وحده، ما يعكس استمرار الضغوط على بعض مكونات السلة الاستهلاكية حتى مع تباطؤ التضخم السنوي العام. وفي ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن والإنتاج، تصبح الأسعار المحلية أكثر عرضة للتأثر بأي اضطراب خارجي، خصوصاً أن لبنان يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين حاجاته.
الراتب أمام اختبار الأسعار
لكن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، بل بالعلاقة بين الأسعار والدخل؛ فإذا ارتفعت كلفة المعيشة بوتيرة أسرع من الدخل، تتراجع القدرة الشرائية حتى لو بقي الراتب الرقمي على حاله. وهذا يفسر لجوء الأسر إلى إعادة ترتيب إنفاقها، من تأجيل بعض المشتريات إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وتقليص بعض النفقات غير الأساسية.
وتزداد الصورة تعقيداً مع ضعف سوق العمل. فقد أظهر مسح لمنظمة العمل الدولية شمل 2,485 عاملاً في القطاع الخاص أن 33% منهم لم يعودوا يعملون عند إجراء المسح في أيار 2026، فيما تراجع متوسط دخل العمل بنسبة 40.4% عند احتساب خسارة الوظائف وانخفاض مداخيل العاملين.
الغلاء لا يصيب الجميع بالطريقة نفسها
إن ارتفاع الأسعار لا يترك التأثير نفسه على كافة الأسر؛ فالعائلة التي تحصل على دخل ثابت بالدولار تختلف قدرتها على مواجهة الغلاء عن أسرة تعتمد على دخل محدود أو غير منتظم، كما أن الأسر التي تنفق النسبة الأكبر من دخلها على الغذاء والسكن والنقل تكون أكثر حساسية لأي ارتفاع في هذه البنود، لأن مساحة المناورة أمامها تكون أصغر.
وهكذا، يتحول التضخم من مؤشر اقتصادي إلى قضية اجتماعية تمس نمط حياة اللبناني، واختياراته الاستهلاكية، وقدرته على الادخار والتخطيط للمستقبل.
المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة عودة التضخم إلى المستويات القياسية التي شهدها لبنان في السنوات السابقة، لكن استمرار ارتفاع الأسعار يبقي خطر تآكل القدرة الشرائية قائماً. ويحذر
البنك الدولي من أن اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط يمكن أن تزيد الضغوط التضخمية، في وقت يُتوقع فيه أن ينكمش الاقتصاد اللبناني 6.4% خلال 2026 نتيجة تجدد النزاع وتداعياته على الاستهلاك والاستثمار والسياحة.
وهنا تصبح معادلة اللبناني أكثر صعوبة: أسعار لا تزال ترتفع، دخل يتعرض للضغط، واقتصاد يواجه انكماشاً جديداً.
في المحصلة، في لبنان، لم يعد السؤال فقط: كم ارتفعت الأسعار؟ بل أصبح: كم بقي من قدرة الأسرة على تحمّل هذه الأسعار؟ فحتى مع تراجع معدل التضخم مقارنة بالأشهر السابقة، لا تزال كلفة المعيشة ترتفع، بينما يواجه جزء من اللبنانيين ضغوطاً إضافية على وظائفهم ومداخيلهم.
وبينما يبقى استقرار الأسعار مرتبطاً بعوامل داخلية وخارجية، من سعر الصرف إلى كلفة الاستيراد والطاقة والشحن، فإن التحدي الأساسي يبقى في حماية القدرة الشرائية للأسر، لأن تباطؤ الغلاء لا يعني بالضرورة انتهاء الغلاء.