في البساتين، موسمٌ وفير يبشّر بالخير، لكن في الأسواق صورة مختلفة تمامًا. فالتفاح اللبناني هذا العام يتمتع بجودة عالية وإنتاج كبير، إلا أن تصريفه يتحول إلى معركة حقيقية يخوضها المزارعون، في ظل ضيق الأسواق وارتفاع كلفة التصدير والتخزين.
فكيف تحوّل موسم التفاح من فرصة للمزارع إلى أزمة؟
يؤكد رئيس تجمع مزارعي التفاح في
لبنان غابي سمعان، في حديث لـ"
لبنان 24"، أن الموسم الحالي يُعدّ من أفضل المواسم لناحية الكمية والنوعية واللون والطعم، إلا أن الوفرة الكبيرة في الإنتاج تحولت إلى مشكلة فعلية بسبب محدودية الأسواق القادرة على استيعابها.
ويشير سمعان إلى أن إنتاج السنوات الماضية كان يتراوح بين 150 و180 ألف طن تقريبًا، فيما يتخطى إنتاج هذا العام، وفق تقديراته، 240 إلى 250 ألف طن.
وبحسب سمعان، فإن تصدير نصف هذه الكمية أو أكثر أصبح ضرورة لتجنب كساد واسع، محذرًا من أن عدم فتح أسواق خارجية جديدة سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الأسعار التي يحصل عليها المزارع.
فجوة كبيرة بين المزارع والمستهلك
أزمة التصريف ليست المشكلة الوحيدة، إذ يلفت سمعان إلى فجوة كبيرة بين السعر الذي يحصل عليه المزارع والسعر الذي يدفعه المستهلك.
ويقول إن المزارع قد يحصل على نحو 30 أو 40 ألف ليرة للكيلوغرام، في حين يمكن أن يصل السعر للمستهلك إلى ما بين 150 و250 ألف ليرة، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والكهرباء والتفريغ، إضافة إلى هوامش الوسطاء والتجار.
أما كلفة إنتاج الكيلوغرام بالنسبة إلى المزارع، فتقارب 60 سنتًا، بحسب النوع والحجم واللون والجودة، وتشمل الزراعة والأسمدة والأدوية والمكافحة والعمالة والرعاية طوال الموسم.
ولا ينتظر المزارع موسم البيع لتحقيق الأرباح فحسب، بل يعتمد عليه أيضًا لتسديد الديون المتراكمة، وشراء المازوت وتأمين مستلزمات الموسم المقبل، فضلًا عن تغطية أعبائه المعيشية.
المشكلة تبدأ من الأسواق
يرى سمعان أن لبنان كان يجب أن يبدأ منذ وقت طويل بالبحث عن أسواق جديدة، خصوصًا في الدول التي تستهلك كميات كبيرة من التفاح ولا تنتج ما يكفي لتلبية حاجتها.
ويشير إلى دول في الشرق
الأقصى، ومنها تايلاند، حيث يقول إنه لمس بنفسه ارتفاع أسعار التفاح، معتبرًا أن المنتج اللبناني قادر على المنافسة من حيث الجودة، إلا أن غياب التبادل التجاري وارتفاع الرسوم الجمركية يحولان دون الوصول إلى هذه الأسواق.
وبرأيه، فإن فتح أسواق جديدة يحتاج إلى تنسيق بين وزارات الزراعة والاقتصاد والخارجية، إلى جانب السفارات والملحقين الاقتصاديين، بهدف عقد اتفاقيات تجارية وتخفيف الرسوم الجمركية أمام التفاح اللبناني، مقابل تأمين أسواق للمنتجات التي يستوردها لبنان.
كما يشير إلى وجود فرص في عدد من الدول الأفريقية، لكنه يلفت إلى أن الرسوم الجمركية المفروضة على التفاح قد تصل، وفق قوله، إلى مستويات تجعل التصدير غير مجدٍ اقتصاديًا.
حتى الوصول إلى سوق جديدة لا يعني أن المشكلة انتهت. فبحسب سمعان، هناك كلفة أخرى تتراكم على المزارع والمصدّر، من النقل واللوجستيات والجمارك إلى التبريد وتحويل الأموال.
ويعطي مثالًا على التصدير إلى مصر، حيث يرسل بعض المزارعين أو التجار إنتاجهم إلى سوق العبور، على أن تتم المحاسبة بعد بيع البضاعة. وفي هذه الحالة، يتحمل المزارع مخاطر انخفاض السعر، إلى جانب عمولة التاجر وكلفة الشحن وتحويل الأموال.
ويشرح أن التفاح قد يُباع في السوق الخارجية بسعر معين، لكن المبلغ الذي يعود إلى المزارع ينخفض بعد اقتطاع العمولات والمصاريف، ما يجعل التصدير في بعض الحالات غير كافٍ حتى لتغطية كلفة الإنتاج.
أما في ليبيا، فيشير إلى أن الوصول إلى السوق الليبية يفرض مسارًا لوجستيًا معقدًا، إذ قد تضطر الشحنات إلى المرور عبر مالطا أو مصر قبل الوصول، ما يزيد كلفة النقل ويؤثر في جودة التفاح نتيجة عمليات التفريغ وإعادة التحميل.
البرادات.. أزمة أخرى
وبينما يبحث المزارعون عن أسواق لتصريف إنتاجهم، تبرز مشكلة أخرى تتمثل في القدرة المحدودة للبرادات على استيعاب الكميات الكبيرة.
ويشير سمعان إلى أن عدم توفر قدرة تخزينية كافية يدفع بعض المزارعين إلى بيع إنتاجهم بأسعار متدنية، فيما يضطر آخرون إلى إدخال محصولهم إلى البرادات وتحمل كلفة تبريد مرتفعة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المازوت.
ويقول إن كلفة تبريد الصندوق ارتفعت من نحو 4 دولارات العام الماضي إلى نحو 8 دولارات هذا العام. وبسبب هذه الكلفة، بات بعض التجار، وفق سمعان، يبيعون الصندوق الذي يحتوي على نحو 22 كيلوغرامًا من التفاح بـ4 أو 5 دولارات حاليًا، بهدف تجنب كلفة التخزين والتبريد.
وهكذا، يتحول التخزين من وسيلة لمنح المزارع فرصة لانتظار سعر أفضل إلى عبء إضافي يرفع كلفة الإنتاج ويزيد الخسائر.
انتقادات لخطة التصدير
ويحمّل سمعان وزارة الزراعة مسؤولية أساسية عن الأزمة، معتبرًا أن الوزارة كانت على علم مسبق بزيادة الإنتاج، وأن المزارعين حذروها من ضرورة التحضير للموسم قبل بدء القطاف.
وبرأيه، لم يكن المطلوب الاكتفاء بزيارات أو لقاءات في دول عربية، بل العمل في وقت مبكر على اتفاقيات تفتح أسواقًا جديدة، وتخفّض الرسوم الجمركية، وتسهّل دخول التفاح اللبناني.
في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة أنها تتحرك على أكثر من مسار هذا الموسم، من بينها التفاوض مع مصر لزيادة الصادرات الزراعية، والعمل على فتح السوق الأردنية، إلى جانب توسيع التصدير إلى
العراق ودول
الخليج وليبيا، والتواصل مع المستوردين وربطهم بالمزارعين والمصدرين.
لكن سمعان يرى أن الحل يجب ألا يبقى مرتبطًا بموسم واحد، بل يحتاج قطاع التفاح إلى سياسة تصدير مستدامة تبدأ قبل القطاف، عبر التحضير للأسواق وتأمينها مسبقًا، لا انتظار وصول المحصول إلى الأسواق ثم البحث عن مشترين.
المزارع أمام خيارين.. والخسارة في الحالتين
اليوم، يجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة، إما بيع محصوله بسعر قد لا يغطي كلفة إنتاجه، أو الاحتفاظ به ودفع كلفة إضافية للتخزين والتبريد، من دون ضمان أن يحصل لاحقًا على سعر أفضل.
ومن هنا، يناشد سمعان رئيس الجمهورية التدخل على مستوى أعلى، مطالبًا بتحرك مشترك من الوزارات المعنية لعقد اتفاقيات تصدير سريعة، أو تأمين دعم مباشر للبرادات، ولا سيما من خلال توفير المازوت بأسعار مدعومة.
ويحذر من أن استمرار الأزمة قد يدفع المزارعين إلى ترك أراضيهم، بعدما تحوّل محصول كان يُفترض أن يكون مصدر دخل أساسيًا إلى عبء اقتصادي يهدد استمرارية زراعة التفاح.
في النهاية، لا تنقص التفاح اللبناني الجودة، ولا ينقص المزارع الإنتاج. المشكلة تكمن في الوصول إلى الأسواق، وفي كلفة الطريق إليها.
ومع كل يوم تأخير، ترتفع فاتورة التخزين، وتتزايد الضغوط على المزارع الذي ينتظر موسم القطاف ليحصد نتيجة عام كامل من العمل. لذلك، فإن إنقاذ الموسم لا يعني فقط تصريف محصول هذا العام، بل حماية المزارع وضمان بقاء زراعة التفاح قادرة على الاستمرار في السنوات المقبلة.