تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

أزمة كهرباء لبنان... هل تكون تجربة زحلة الناجحة مفتاح الحل؟

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
10-10-2026 | 02:00
A-
A+
أزمة كهرباء لبنان... هل تكون تجربة زحلة الناجحة مفتاح الحل؟
أزمة كهرباء لبنان... هل تكون تجربة زحلة الناجحة مفتاح الحل؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
منذ أكثر من أربعين سنة على التوالي، وبالأخص في السنوات الأخيرة، لا يزال لبنان يعيش أزمة لا تشبه أي أزمة أخرى، وتكاد تكون سمة خاصة بهذا البلد الصغير، الذي يعاني من تراكم مشكلة الكهرباء، من دون إيجاد حلّ لها على غرار ما هو حاصل في معظم دول العالم الثالث. فهذه الأزمة لم تعد مجرد أزمة إنتاج ونقص في التغذية، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدولة على إدارة أحد أكثر القطاعات استنزافاً للمال العام، وعلى اتخاذ القرارات التي ظلت مؤجلة لسنوات. واليوم، مع إعلان وزير الطاقة والمياه جو الصدي تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء، وسط تقارير عن تفكيره جدياً في الاستقالة إذا استمر التعثر، يعود السؤال إلى الواجهة: هل يستطيع لبنان إنقاذ قطاع الكهرباء من داخل النموذج الحالي، أم أن الحل يمر عبر توسيع دور القطاع الخاص والاستفادة من تجربة كهرباء زحلة؟
Advertisement
ما يطرحه الوزير الصدي يتجاوز خلافاً بين وزير والحكومة. فالوزير يتحدث عن نقص القدرة الإنتاجية، وعن مستحقات مالية متراكمة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، وعن حاجة المستثمرين إلى ضمانات مالية وأمنية قبل ضخ أموالهم في القطاع. وقد أشار إلى اهتمام شركات دولية بالاستثمار، لكنه ربط انتقالها إلى التنفيذ بتوفير الشروط التي تجعل استثماراتها قابلة للاستمرار.
وهنا تكمن المفارقة، إذ أن لبنان يحتاج إلى استثمارات جديدة لزيادة الإنتاج وتحسين الخدمة، لكنه لا يستطيع استقطابها ما لم يعالج الاختلالات المالية والإدارية التي جعلت قطاع الكهرباء عبئاً مزمناً على الدولة والمواطن معاً.
في هذا السياق، تستحق تجربة كهرباء زحلة أن تكون موضع دراسة جدية. فالشركة الخاصة، التي تعمل بموجب امتياز مع الدولة، تتولى توزيع الكهرباء وتشغيل الشبكات وصيانتها في زحلة ومناطق مجاورة. وقد جعلتها تجربتها المختلفة عن النموذج المركزي التقليدي مثالاً يُستشهد به عند البحث عن بدائل لأزمة الكهرباء اللبنانية.
لكن المطلوب ليس تحويل تجربة زحلة إلى وصفة جاهزة، ولا القفز إلى استنتاج أن بيع قطاع الكهرباء بالكامل هو الحل الوحيد. فثمة فرق بين تخصيص القطاع بالكامل وبين إشراك الشركات الخاصة في الإنتاج أو التوزيع أو إدارة الشبكات، ضمن عقود واضحة ورقابة مستقلة وضمانات تحمي حقوق المواطنين.
واللافت أن الحكومة بدأت بالفعل مساراً لإعادة تنظيم القطاع، إذ نوقشت خيارات تحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة، كما طُرح نموذج تأجير أصول التوزيع للقطاع الخاص، مع إبقاء الشبكات ملكاً للدولة ومنح المشغّلين صلاحيات أوسع لتحسين الجباية والفوترة. وهذا يعني أن النقاش العملي لم يعد محصوراً بين الإبقاء على الوضع القائم وبيع القطاع، بل بات يشمل صيغاً مختلفة للشراكة والتشغيل والاستثمار.
غير أن أي نموذج، مهما بلغت كفاءته، لن ينجح إذا بقيت الدولة عاجزة عن تسديد مستحقاتها، أو عن معالجة الهدر والتعديات، أو عن ضمان جباية عادلة ومنتظمة. كما أن إشراك القطاع الخاص لا يجوز أن يتحول إلى احتكار جديد، أو إلى تحميل المواطنين كلفة إضافية من دون تحسين ملموس في ساعات التغذية وجودة الخدمة.
المطلوب، إذاً، ليس الاختيار بين الدولة والقطاع الخاص، بل تحديد دور كل منهما بوضوح. فالدولة تضع السياسة، وتنظّم السوق، وتراقب الأسعار وجودة الخدمة، وتحمي المستهلك؛ والقطاع الخاص يستثمر ويشغّل وفق قواعد شفافة ومحاسبة صارمة.
أما أزمة الصدي، فينبغي ألا تنتهي بتسوية سياسية تعيد الوزير إلى جلسات الحكومة فيما تبقى أسباب الخلاف على حالها. فالامتحان الحقيقي هو أن تتحول المطالب إلى قرارات قابلة للتنفيذ والتمويل، وأن يعرف المواطن ما الذي سيدفعه، وما الخدمة التي سيحصل عليها في المقابل.
لبنان لا يحتاج إلى تخصيص القطاع كشعار، ولا إلى دولة تحتكر قطاعاً تعجز عن إدارته بكفاءة. إنه يحتاج إلى نموذج يضمن الكهرباء، ويجذب الاستثمار، ويمنع الاحتكار، ويضع حداً لتحميل المواطن ثمن الفشل المتراكم.
وربما تكون زحلة مدخلاً إلى هذا النقاش، لا لأنها تقدم حلاً يمكن نسخه حرفياً، بل لأنها تطرح السؤال الذي لم يعد ممكناً تأجيله: إذا كانت هناك نماذج بديلة تستحق الدراسة، فلماذا لا تُقارن بجدية وشفافية، ويُختَر منها ما يخدم لبنان واللبنانيين؟
لكن حصر البحث عن حلول لأزمة الكهرباء بتجربة زحلة وحدها لا يكفي. فهناك أيضاً تجربة قاديشا في الشمال، التي تفتح باباً مختلفاً للنقاش، بعدما انتقل امتيازها إلى إدارة مؤسسة كهرباء لبنان. فبدلاً من أن تكون قاديشا نموذجاً مستقلاً يمكن مقارنته بزحلة، أصبحت جزءاً من المنظومة العامة، فيما لا تزال تواجه صعوبات في التشغيل والصيانة والجباية ونقص الكادر البشري. وقد أقرّ وزير الطاقة خلال زيارته الشركة في شباط الماضي، بأن واقع التغذية في ظل الظروف القائمة لا يمكن أن يتجاوز عشر ساعات. وهذه المعطيات تفرض طرح سؤال جوهري: هل المشكلة في الملكية العامة بحد ذاتها، أم في غياب الإدارة الفعالة والصلاحيات الكافية والاستثمار المنتظم والمحاسبة؟ لا تكفي تجربة قاديشا وحدها لإثبات أن الإدارة العامة محكوم عليها بالفشل، كما لا تكفي تجربة زحلة لتأكيد أن كل إدارة خاصة ستنجح تلقائياً. المطلوب مقارنة التجربتين على أساس نتائج قابلة للقياس، تشمل ساعات التغذية، وكلفة الخدمة، ونسبة الهدر، وكفاءة الجباية، ومستوى الصيانة، ومدى خضوع الإدارة للمساءلة. عندها فقط يصبح ممكناً تحديد ما إذا كان الحل في استعادة استقلالية إدارة قاديشا، أو في اعتماد نموذج جديد للتشغيل، أو في صيغة شراكة تجمع بين ملكية الدولة وكفاءة القطاع الخاص.
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas